إذْ هُوَ وَقْتُ فَنَائِهَا ، وَحِينِ اقْتِصَاصِهَا وَجَزَائِهَا ، حَاشَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ اللَّذَيْنِ رُكِّبَتْ فِيهِمَا الْغَفْلَةُ الَّتِي تَرَدَّدَ فِيهَا الْآدَمِيُّ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ ، وَهُمَا رُكْنَا التَّكْلِيفِ ، وَمَعْنَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، وفَائِدَةُ جَرَيَانِ الْأَعْمَالِ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، وَتَمَامُ الْفَضْلِ ، وَوَجْهُ الشَّرَفِ تِلْكَ السَّاعَةُ الَّتِي يَنْشُرُ الْبَارِّي فِيهَا رَحْمَتَهُ ، وَيَفِيضُ فِي الْخَلْقِ نَيْلُهُ ، وَيَظْهَرُ فِيهَا كَرْمُهُ ؛ فَلَا يَبْقَى دَاعٍ إلَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ ، وَلَا كَرَامَةٌ إلَّا وَيُؤْتِيهَا ، وَلَا رَحْمَةٌ إلَّا يَبُثُّهَا لِمَنْ تَأَهَّبَ لَهَا ، وَاسْتَشْعَرَ بِهَا ، وَلَمْ يَكُنْ غَافِلًا عَنْهَا.
وَلَمَّا كَانَ وَقْتًا مَخْصُوصًا بِالْفَضْلِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَوْقَاتِ قَرَنَهُ اللَّهُ بِأَفْضَلِ الْحَالَاتِ لِلْعَبْدِ ، وَهِيَ حَالَةُ الصَّلَاةِ ، فَلَا عِبَادَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا ، وَلَا حَالَةَ أَخَصُّ بِالْعَبْدِ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ فِيهَا عِبَادَاتِ الْمَلَائِكَةِ كُلِّهِمْ ؛ إذْ مِنْهُمْ قَائِمٌ لَا يَبْرَحُ عَنْ قِيَامِهِ وَرَاكِعٌ لَا يَرْفَعُ عَنْ رُكُوعِهِ ، وَسَاجِدٌ لَا يَتَفَصَّى مِنْ سُجُودِهِ ، فَجَمَعَ اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ عِبَادَاتِ الْمَلَائِكَةِ فِي عِبَادَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: {إنَّ الْعَبْدَ إذَا نَامَ فِي سُجُودِهِ بَاهَى اللَّهُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ ، يَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِي ، اُنْظُرُوا عَبْدِي ، رُوحُهُ عِنْدِي ، وَبَدَنُهُ فِي طَاعَتِي} .