وقوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} قال المفسرون: عذَّبهم اللهُ بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجِيَفَ والعظام المحرقة والعلهز.
وقوله تعالى: {وَالْخَوْف} ، قالوا: يعني من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومن السرايا التي كان يبعثها إليهم فيطوفون بهم.
قال ابن قتيبة: وأصل الذَّوَاقِ بالفم، ثم قد يُستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول في الكلام: نَاظِرْ فُلانًا وذُقْ ما عنده، أي تعرَّف واختبر، واركب الفرسَ وذقه، وأنشد الشماخ في وصف قوس:
فذاقَ فأعْطَتْهُ من اللّين جَانبًا ... كفى ولَهَا أن يُغْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ
يريد أنه راز القوس بالنزع ليعلم؛ ألَيِّنَةٌ هي أم صلبةٌ.
قال: ولباس الجوع والخوف: ما ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضُّمْرِ والشُّحوب، ونَهْكَةِ البدن، وتغيّر الحال، وكُسُوف البال، فكما يقول: تَعَرَّفْتُ سوء أثرِ الخوف والجوع على فلان، وذقت بمعنى: تعرفتُ، واللِّبَاسُ بمعنى: سوء الأثر، كذلك تقول: ذقتُ لِبَاسَ الجوع والخوف، وأذاقني الله ذلك.
وقال أبو علي: {لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} المعنى فيه: مقارنة الجوع لهم ومَسُّه إيّاهم؛ كمخالطة الذائق ما يذوقه، واللابس ما يَلْبَسُه، واتصاله بما وقع عليه الذوق، وكذلك لباس الجوع هو مَسُّه لهم كمَسّ الثوب للابسه، وأنشد لجرير:
وقد لَبِسَتْ بَعْدَ الزّبَيرِ مُجَاشعٌ ... ثيابَ التي حاضَتْ ولَمْ تَغْسلِ الدّمَا
يريد أن العار والسُّبَّة لحقتهم، واتصل بهم لغدرهم، فجعل ذلك لباسًا، فعلى ما ذكر ابن قتيبة معنى {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} عَرَّفَها سوءَ أثرهما، وعلى ما ذكر أبو علي، جعل الجوع والخوف تَمَسَّانها وتُلابِسَانِها.