اختلف في ضرب المثل بهذه الآية، وفي نزولها:
قَالَ بَعْضُهُمْ: ضرب المثل لأهل مكة، وفيها نزلت - بقريات نزل بهم العذاب؛ بتكذيبهم رسلهم في بني إسرائيل، يحذر أهل مكة بتكذيبهم رسول اللَّه نزول العذاب بهم كما نزل باوائلهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ضرب المثل لأهل المدينة، وفيهم نزل بأهل مكة؛ يحذر أهل المدينة؛ لئلا يكذبوا محمدًا كما كذب أهل مكة؛ فيحل بهم كما حل بأهل مكة من الناس الجوع والخوف؛ بالتكذيب.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) .
قيل: هي مكة؛ أهلها كانوا آمنين فيها من خير أو شر، مطمئنين يأتيهم رزقهم من كل مكان. ويحتمل قرية أخرى غيرها؛ كانوا على ما ذكر.
وقوله - عزَّ وجلَّ -: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ)
أي: كفرت بالشكر لأنعم اللَّه، أي: لم يشكروها، ليس أنهم لم يروها من اللَّه - تعالى - وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) .
اللباس: هو ما يستر وجوه الجواهر، ألا ترى أنه سمى الليل لباسًا؛ لما ستر وجوه الأشياء؛ فعلى ذلك الجوع يرفع الستر واللباس الَّذِي كان قبل الجوع؛ لأن الجوع إذا اشتد غير وجه صاحبه، ورفع ستره، والجوع: ما ذكر أنه أصابهم جوع حتى أكلوا الكلاب والجيف والعظام المحرقة. والخوف: ما ذكر أنه بعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - إليهم؛ ألا ترى أنه قال:"نُصِرتُ بالرعْب مَسِيرةَ شَهْرَينِ"، وقيل: الخوف: القتل.
وقوله: (رَغَدًا) .
قال الكسائي: رغد الرجل إذا أصاب مالا أو عيشا من غير عناء وكدّ.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: رغدًا، أي كثيرًا واسعًا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ(113)