أَمَّا دَوَاعِي الصِّدْقِ فَمِنْهَا: الْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِقُبْحِ الْكَذِبِ، لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يَجْلِبْ نَفْعًا وَلَمْ يَدْفَعْ ضَرَرًا. وَالْعَقْلُ يَدْعُو إلَى فِعْلِ مَا كَانَ مُسْتَحْسَنًا، وَيَمْنَعُ مِنْ إتْيَانِ مَا كَانَ مُسْتَقْبَحًا. وَلَيْسَ مَا اسْتُحْسِنَ مِنْ مُبَالَغَاتِ الشُّعَرَاءِ، حَتَّى صَارَ كَذِبًا صُرَاحًا، اسْتِحْسَانًا لِلْكَذِبِ فِي الْعَقْلِ كَالَّذِي أَنَشَدَنِيهِ الْأَزْدِيُّ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ:
تَوَهَّمَهُ فِكْرِي فَأَصْبَحَ خَدُّهُ ... وَفِيهِ مَكَانُ الْوَهْمِ مِنْ فِكْرَتِي أَثَرُ
وَصَافَحَهُ كَفِّي فَآلَمَ كَفَّهُ ... فَمِنْ لَمْسِ كَفِي فِي أَنَامِلِهِ عَقْرُ
وَمَرَّ بِقَلْبِي خَاطِرًا فَجَرَحْتُهُ ... وَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ يَجْرَحُهُ الْفِكْرُ
وَكَقَوْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ وَإِنْ كَانَ دُونَ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ:
تَقُولُ وَقَدْ كَتَبْتُ دَقِيقَ خَطِّي ... إلَيْهَا: لِمَ تَجَنَّبْتَ الْجَلِيلَا
فَقُلْت لَهَا نَحِلْتُ فَصَارَ خَطِّي ... مُسَاعَدَةً لِكَاتِبِهِ نَحِيلَا
لِأَنَّهُ خَرَجَ مُخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ وَالِاقْتِدَارِ عَلَى صَنْعَةِ الشَّعْرِ، وَأَنَّ شَوَاهِدَ الْحَالِ تُخْرِجُهُ عَنْ تَلْبِيسِ الْكَذِبِ، وَكَذَلِكَ مَا اسْتُحْسِنَ فِي الصَّنْعَةِ وَلَمْ يُسْتَقْبَحْ فِي الْعَقْلِ وَإِنْ كَانَ الْكَذِبُ مُسْتَقْبَحًا فِيهِ.
وَمِنْهَا: الدِّينُ الْوَارِدُ بِاتِّبَاعِ الصِّدْقِ وَحَظْرِ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ بِإِرْخَاصِ مَا حَظَرَهُ الْعَقْلُ، بَلْ قَدْ جَاءَ الشَّرْعُ زَائِدًا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْلُ مِنْ حَظْرِ الْكَذِبِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِحَظْرِ الْكَذِبِ وَإِنْ جَرَّ نَفْعًا أَوْ دَفَعَ ضَرَرًا. وَالْعَقْلُ إنَّمَا حَظْرَ مَا لَا يَجْلِبُ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ ضَرَرًا.
وَمِنْهَا: الْمُرُوءَةُ فَإِنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الْكَذِبِ بَاعِثَةٌ عَلَى الصِّدْقِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمْنَعُ مَنْ فَعَلَ مَا كَانَ مُسْتَكْرَهًا، فَأَوْلَى مَنْ فَعَلَ مَا كَانَ مُسْتَقْبَحًا.
وَمِنْهَا: حُبُّ الثَّنَاءِ وَالِاشْتِهَارِ بِالصِّدْقِ حَتَّى لَا يُرَدَّ عَلَيْهِ قَوْلٌ وَلَا يَلْحَقُهُ نَدَمٌ.