ويشير إلى هذا المعنى الذي ذكرناه قوله تعالى: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} [سورة الزمر: 3] فوَصف من لا يهديه الله بوصفين الكذب وشدة الكفر.
فتبيّن أن معنى قوله تعالى: الذين لا يؤمنون بآيات الله من كان الإيمان منافياً لجبِلّة طبعهِ لا لأميال هواه.
وهذا يعلم الله أنه لا يؤمن وأنه ليس معرّضاً للإيمان ، فلذلك لا يهديه الله ، أي لا يكوّن الهداية في قلبه.
وهذا الأسلوب عكس أسلوب قوله تعالى: {إن الذين حقّت عليهم كلمات ربّك لا يؤمنون} [سورة يونس: 96] ، وكل يرمي إلى معنى عظيم.
فموقع هذه الجملة من التي قبلها موقع التعليل لجميع أقوالهم المحكيّة والتذييل لخلاصة أحوالهم ، ولذلك فصلت بدون عطف.
وعطْفُ ولهم عذاب أليم على {لا يهديهم} للدّلالة على حرمانهم من الخير وإلقائهم في الشرّ لأنهم إذا حُرموا الهداية فقد وقعوا في الضلالة ، وماذا بعد الحقّ إلا الضلال ، وهذا كقوله تعالى: {كتب عليه أنه من تولّاه فأنه يضلّه ويهديه إلى عذاب السعير} [سورة الحج: 4] .
ويشمل العذاب عذاب الدنيا وهو عذاب القتل مثل ما أصاب أبا جهل يوم بدر من ألم الجراح وهو في سكرات الموت ، ثم من إهانة الإجهاز عليه عقب ذلك.
{إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) }
هذا ردّ لقولهم: {إنما أنت مفتر} [سورة النحل: 101] بقلب ما زَعموه عليهم ، كما كان قوله تعالى: {لسان الذي يلحدون إليه أعجمي} [سورة النحل: 103] جواباً عن قولهم: {إنما يعلمه بشر} [سورة النحل: 103] .
فبعد أن نزّه القرآن عن أن يكون مفترى والمنزّل عليه عن أن يكون مفترياً ثني العنان لبيان من هو المفتري.
وهذا من طريقة القلب في الحال.