وتدل ثالثًا: على أنها إن عادت إلى صفوف المؤمنين تعامل بالعدل ، ولا تعامل بالانتقام ، فليست بينها وبين الحاكم خصومة ، إنما بينهما الأخوة الجامعة ، ولذلك عقب ذكر العقوبة بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] .
وقد ذكر حكم البغاة مجملًا ، ولم يكن بغي في عصر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم ؛ لأنَّ الخروج على حكمه كفر ، وليس ببغي يكون أساسه التأويل ، فلا تأويل ، وعمل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - صريح.
وكذلك لم يحدث بغي في عهد أبي بكر ، بل حصلت ردة وكفر ، وكذلك لم يحصل بغي في عهد الفاروق ، وفي عهد عثمان كان بغي ، ولم تكن مقاومة للبغاة ، حتى قتل الشهيد ذو النورين - رضي الله عنه - قتلة فاجرة ، وفي عهد عليّ فارس الإسلام ، والمجاهد الأول بعد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان البغي ، بشروطه.
فقد خرج الخارجون على الإمام العادل علي - رضي الله عنه وكرَّم الله وجهه ، وزعموا أنَّ لهم تأويلًا بدعواهم أنَّ الذين أيدوه هم قتلة عثمان.
وتصدَّى علي - رضي الله عنه - لمقاومتهم ، بعد أن حاول رتق الفتق ، وإصلاحه بالموعظة ، حتى أجبروه على القتال ، وخرجوا إليه في صفين.
ثم خرج الخوارج من بعد ، وهم أشدّ البغاة تطرفًا في بغيهم ، وكان القتال بين أهل العدل وأهل البغي ، ويلاحظ أن عليًّا - رضي الله عنه - لم يجرد سيفه للقتال مهاجمًا إلَّا بعد أن قتل معاوية عمَّار بن ياسر ، عندئذ تجرَّد علي وهجم بجنده ؛ لأنه علم أنهم بغاة حقًّا ؛ إذ قال - عليه الصلاة والسلام - لعمار:"تقتلك الفئة الباغية"، ولا نريد أن نخوض فيما قاله الفقهاء ، فإننا نذكر الحكم من غير تفصيل.