وهنا قال تعالى: وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ يعني البنين، أي أنهم يختارون لأنفسهم الذّكور، ويأنفون من البنات التي نسبوها إلى الله تعالى، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا. وهو كقوله تعالى: أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الطور 52/ 39] .
ثم عاب الله تعالى على العرب تبرمهم بالبنات فقال: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى .. أي وإذا بشّر أحد هؤلاء العرب الذين جعلوا لله البنات بولادة أنثى، ظلّ وجهه مسودّا أي كئيبا من الهمّ، وهو كظيم، أي ساكت من شدّة ما هو فيه من الحزن، يتوارى من القوم، أي يكره أن يراه الناس، من مساءة ما بشّر به، هل يمسك المولود الأنثى على هوان وذلّ وعار وفقر، أم يدفنها في التراب وهي حيّة، وذلك هو الوأد المذكور في قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير 81/ 8 - 9] .
أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي بئس ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوه إلى الله تعالى، وهو كقوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا، وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف 43/ 17] .
والتبشير عرفا: مختصّ بالخبر الذي يفيد السّرور، إلا أنه بحسب الأصل في اللغة: عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه، وكلّ من السّرور والحزن يوجب تغيّر البشرة.
وذكر ضمير أَيُمْسِكُهُ لأنه عائد على ما.
ثم أجمل الله تعالى موقف المشركين حول هذا الأمر، فقال:
لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ .. أي للذين لا يصدّقون بالحياة الآخرة وما فيها صفة السّوء التي هي كالمثل في القبح، أي لهم صفة النّقص بما ينسب إليهم، وهي الحاجة إلى الأولاد الذّكور، وكراهة الإناث، ووأدهن خشية الإملاق، والإقرار على أنفسهم بالشّح البالغ.
وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي وله تعالى الصفة العليا، والكمال المطلق، فهو الواحد المنزّه عن الولد والوالد والشريك، وهو الغني عن العالمين، والمنزّه عن صفات المخلوقين، وهو الجواد الكريم، أي فله الكمال المطلق من كل وجه.