قال في"الكشاف"في الآية الآتية في أواخر هذه السورة:"هذا من فصيح الكلام وبليغه."
جعل القول كأنه عين الكذب فإذا نطقت به ألسنتهم فقد صورت الكذب بصورته ، كقولهم: وجهها يصف الجمال ، وعينها تصف السحر"ا ه."
وقد تقدم في قوله تعالى: {سبحانه وتعالى عما يصفون} في سورة الأنعام (100) .
وسيأتي في آخر هذه السورة {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} [سورة النحل: 116] .
ومنه قول المعرّي:
سرى برق المعرّة بعد وهن...
فباتَ برامةٍ يصف الكَلاَلا
أي يشكو الإعياء من قطع مسافة طويلة في زمن قليل ، وهو من بديع استعاراته.
والمراد من هذا الكذب كل ما يقولونه من أقوال خاصتهم ودهمائهم باعتقاد أو تهكّم.
فمن الأول قول العاصي بن وائل المحكي في قوله تعالى: {وقال لأوتينّ مالاً وولداً} [سورة مريم: 77] وفي قوله تعالى: {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} [سورة فصلت: 50] .
ومن الثاني قولهم في البليّة: أن صاحبها يركبها يوم القيامة لكيلا يُعيى.
وانتصب الكذب على أنه مفعول تصف.
وأن لهم الحسنى بدل من {الكذب} أو {الحسنى} صفة لمحذوف ، أي الحالة الحسنى.
وجملة {لا جرم أن لهم النار} جواب عن قولهم المحكي.
ومعنى لا جرم لا شكّ ، أي حقاً.
وتقدم في سورة هود.
و {مُفْرِطُونَ} بكسر الراء المخففة في قراءة نافع: اسم فاعل من أفرط ، إذا بلغ غاية شيء ما ، أي مفرطون في الأخذ من عذاب النار.
وقرأه أبو جعفر بكسر الراء مشددة من فرّط المضاعف.
وقرأه البقية بفتح الراء مخففة على زنة اسم المفعول ، أي مجعولون فرطاً بفتحتين وهو المقدم إلى الماء ليسقي.
والمراد: أنهم سابقون إلى النار معجّلون إليها لأنهم أشدّ أهل النار استحقاقاً لها ، وعلى هذا الوجه يكون إطلاق الإفراط على هذا المعنى استعارة تهكّمية كقول عمرو بن كلثوم:
فَعَجّلْنَا القِرى أن تشتمونا...