وذلك استعمال معروف في كلامهم كقوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} [سورة ص: 32] يعني الشمس ، ويقولون: أصبحت باردة ، يريدون الغَداة ، ويقول أهل المدينة: ما بين لابتيها أحد يفعل كذا ، يريدون لابتي المدينة.
والدّابة: اسم لما يدبّ على الأرض ، أي يمشي ، وتأنيثه بتأويل ذات.
وخصّ اسم دابة في الاستعمال بالإطلاق على ما عدا الإنسان مما يمشي على الأرض.
وحرف {لو} حرف امتناع لامتناععٍ ، أي حرف شرط يدلّ على امتناع وقوع جوابه لأجل امتناع وقوع شرطه.
وشرط {لو} ملازمٌ للزمن الماضي فإذا وقع بعد {لَوْ} مضارع انصرف إلى الماضي غالباً.
فالمعنى: لو كان الله مؤاخذاً الخلق على شركهم لأفناهم من الأرض وأفنى الدوابّ معهم ، أي ولكنه لم يؤاخذهم.
ودليل انتفاء شرط {لو} هو انتفاء جوابها ، ودليل انتفاء جوابها هو المشاهدة ، فإن الناس والدوابّ ما زالوا موجودين على الأرض.
ووجه الملازمة بين مؤاخذة الظالمين بذنوبهم وبين إفناء الناس غير الظالمين وإفناء الدوابّ أن الله خلق الناس ليعبدوه ، أي ليعترفوا له بالإلهية والوحدانية فيها ، لقوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [سورة الذاريات: 56] ، وأن ذلك مودع في الفطرة لقوله تعالى: {وإذ أخذ ربّك من بني ءادم من ظهورهم ذرّياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا} [سورة الأعراف: 172] .
فنعمة الإيجاد تقضي على العاقل أن يشكر موجِدَه ، فإذا جحد وجوده أو جحد انفراده بالإلهية فقد نقض العهد الذي وُجد على شرطه ، فاستحقّ المحو من الوجود بالاستئصال والإفناء.
وبذلك تعيّن أن المراد من الظلم في قوله تعالى: {بظلمهم} الإشراكُ أو التعطيل.