وأمم من المسلمين اليوم بدلوا نعمة الله، فحل بهم ما حل ببني إسرائيل، فهي تعاني العقاب الشديد، وتتمرغ في الشقوة والنكد، وتعاني القلق والحيرة، ويأكل بعضها بعضاً، ويأكل الفرد منها نفسه وأعصابه، والكل يعيش في حيرة قاتلة لا طمأنينة فيها ولا سلام.
وإن هو إلا عقاب الله لمن حاد عن منهجه ورد دعوته: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) } [البقرة: 211] .
ومن سافر بفكره أو ببصره في أحوال العالم الخاصة والعامة استغنى عن تعريف غيره له، وساءه انبطاح الأمة للشياطين والفجار.
وجميع المجتمعات البشرية المحرومة من نعمة الإسلام، مجتمعات بائسة، ولو غرقت في الرغد المادي، خاوية ولو تراكم فيها الإنتاج، قلقة ولو توفرت لها الحريات والأمن والسلام.
وهذه الأمم الكافرة تمضي في الأرض كالبهائم تأكل وتستمتع كما تأكل الأنعام وتستمتع، وقد تنطح وترفس كالبهيمة، أو تفترس وتنهش كالوحش، وتزاول الطغيان والجبروت، والبغي والبطش، وتنشر الفساد، ثم تمضي ملعونة من الله، ملعونة من الناس: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) } [آل عمران: 87] .
وما أعظم نعم الله علينا، حيث اختار لنا أفضل الأديان، وأفضل الشرائع، وأفضل الكتب، وأفضل الرسل، وجعلنا خير الأمم، وأكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً.
فهل فوق هذا من نعمة؟.
وهل يستطيع أحد أن يكافئ هذه النعم؟.
ومن يستطيع أن يعرف كل نعم الله؟ .. ثم من يستطيع أن يحصيها؟ .. ثم من يستطيع أن يقوم بشكرها؟.
ولكن رحمة الله واسعة، طلب منا القليل وأعطى الكثير، وإنما هو جهد الطاقة في شكر النعمة، ومعرفة المنعم، وإدراك الواجب، ثم القيام بما يستطاع منه، ومعرفة الحرام ثم الحذر منه، وطلب المغفرة عن التجاوز أو التقصير:
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) } [التغابن: 16] .