قال القرطبي: أما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة، وأن يوجد فيهم خلاف ما كلفوه، وأن تخلق فيهم الشَّهوات؛ إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم.
قال: ووقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسَّمع، ولم يصح. انتهى.
ذكر هذا في تفسير سورة البقرة بعد أن قطع بضعف ما روي عن عليٍّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبَّاس - رضي الله عنهما: أنه لما أكثر الفساد من أولاد آدم - وذلك في زمن إدريس عليه السَّلام - عيرتهم الملائكة، فقال الله تعالى:"أما إنكم لو كنتم مكانهم وركَّبت فيكم ما ركَّبت فيهم - يعني: الشهوة - لعملتم مثل أعمالهم"، فقالوا:"سبحانك ما كان ينبغي لنا ذلك"، قال:"فاختاروا ملكين من خياركم"، فاختاروا هاروت وماروت، فأنزلهما الله تعالى إلى الأرض، فركَّب فيهما الشهوة، فما مرَّ بهم شهر حتى فتنا بامرأة اسمها الزُّهرة اختصمت إليهما، فراوداها عن نفسها، فأبت إلا أن يدخلا في دينها، ويشربا الخمر، ويقتلا النفس التي
حرم الله، فأجاباها، وشربا الخمر، وقتلا، وألمَّا بها، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السَّماء، فعلماها، فتكلمت به، فعرجت، فمسخت كوكباً.
وقال سالم بن عبد الله: فحدثني كعب الحبر أنهما لم يستكملا يومهما حتَّى عملا ما حرم الله عليهما.
وفي غير هذا الحديث: فخُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدُّنيا، فهما يعذبان ببابل في سِرب من الأرض.
وقيل: علقا مُنكَّسين، وليس بينهما وبين الماء إلا قدر شبر، وهما يلهثان من العطش.
وكان ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما فيما يرويه عطاء - إذا رأى الزهرة وسُهيلاً سبَّهما وشتَمَهما، ويقول: إن سهيلاً كان عشاراً باليمن،
وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت.
قلت: نص شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر العسقلاني على ثبوت هذه القصة لأنها رويت من طرق متعددة مرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وموقوفة على من تقدم ذكرهم من الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم.
وممن خرجها الإمام أحمد، وابن حبان، والبيهقي، وغيرهم.
وقال شيخ الإسلام والدي في"تفسيره"بعد أن قطع بصحة ذلك، ونقله عن ابن حجر: من الرجز