والحق تبارك وتعالى يريد منّا أن نعرف استطراق العبودية في الوجود كله ؛ لأن الكافر وإنْ كانَ مُتمرِّداً على الله فيما جعل الله له فيه اختيارا ، في أنْ يؤمن أو يكفر ، في أن يطيع أو يعصي ، ولكن الله أعطاه الاختيار .
نقول له: إنك قد ألفْتَ التمرّد على الله ، فطلب منك أن تؤمن لكنك كفرتَ ، وطلبَ منك يا مؤمن أن تطيعَ فعصيتَ ، إذن: فلكَ إلْفٌ بالتمرّد على الحق . . ولكن لا تعتقد أنك خرجتَ من السجود والخضوع لله ؛ لأن الله يُجري عليك أشياء تكرهها ، ولكنها تقع عليك رغم أنفك وأنت خاضع .
وهذا معنى قوله تعالى في الآية السابقة: {وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48] .
أي: صاغرون مُستذلِّون مُنقَادُونَ مع أنهم أَلِفُوا التمرُّد على الحق سبحانه .
وإلا فهذا الذي أَلِف الخروج عن مُرادات الله فيما له فيه اختيار ، هل يستطيع أنْ يتأبَّى على الله إذا أراد أنْ يُمرضه ، أو يُفقره ، أو يميته؟
لا ، لا يستطيع ، بل هو داخر صاغر في كل ما يُجريه عليه من مقادير ، وإنْ كان يأباها ، وإنْ كان قد أَلِف الخروج عن مُرادات الله .
إذن: ليس في كون الله شيء يستطيع الخروج عن مرادات الله ؛ لأنه ما خرج عن مرادات الله الشرعية في التكليف إلا بما أعطاه الله من اختيار ، وإلا لو لم يُعْطه الاختيار لما استطاع التمرّد ، كما في المرادات الكونية التي لا اختيارَ فيها .
لذلك نقول للكافر الذي تمرّد على الحق سبحانه: تمرّد إذا أصابك مرض ، وقُلْ: لن أمرض ، تمرَّد على الفقر وقُلْ: لن أفتقر . . وما دُمْتَ لا تقدر وسوف تخضع راغماً فلتخضعْ راضياً وتكسب الأمر ، وتنتهي مشكلة حياتك ، وتستقبل حياة أخرى أنظف من هذه الحياة .
وقوله تعالى:
{مِن دَآبَّةٍ ...} [النحل: 49] .
هو كل ما يدبّ على الأرض ، والدَّبُّ على الأرض معنا الحركة والمشي . . وقوله:
{والملائكة ...} [النحل: 49] .