كما دَلَّتْ الآية على أن الظل أيضاً يسجد لربه وخالقه سبحانه ، والظلال قد تكون لجمادات كالشجر مثلاً ، أو بناية أو جبل ، وهذه الأشياء الثابتة يكون ظِلّها أيضاً ثابتاً لا يتحرك ، أما ظِلّ الإنسان أو الحيوان فهو ظل متحرك ، وقد ضرب لنا الحق تبارك وتعالى مثلاً في الخضوع التام بالظلال ؛ لأن ظل كل شيء لا يفارق الأرض أبداً ، وهذا مثال للخضوع الكامل .
ثم يرتفع الحق تبارك وتعالى بمسألة السجود من الجمادات في الظلال في قوله: {وَظِلالُهُم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] .
يعني الذوات تسجد ، وكذلك الظلال تسجد ؛ ولذلك يتعجب بعض العارفين من الكافر . . يقول: أيها الكافر ظِلُّك ساجد وأنت جاحد . . جاء هذا الترقِّي في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ...} .
فأجناس الكون التي يعرفها الإنسان أربعة: إما جماد ، فإذا وجدتَ خاصية النمو كان النبات ، وإذا وجدتَ خاصية الحركة والحسِّ كان الحيوان ، فإذا وجدتَ خاصية الفِكْر كان الإنسان ، وإذا وجدتَ خاصية العلم الذاتي النوراني كان المَلَك . . هذه هي الأجناس التي نعرفها .
الحق تبارك وتعالى ينقلُنا هنا نَقْلة من الظلال الساجدة ، للجمادات الثابتة ، إلى الشيء الذي يتحرك ، وهو وإنْ كان مُتحركاً إلا أن ظلّه أيضاً على الأرض ، فإذا كان الحق سبحانه قد قال:
{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض . .} [النحل: 49] .
فقد فصَّل هذا الإجمال بقوله:
{مِن دَآبَّةٍ والملائكة ...} [النحل: 49] .
أي: من أقلّ الأشياء المتحركة وهي الدابة ، إلى أعلى الأشياء وهي الملائكة . .
وقد يقول قائل: وهل ما في السماوات وما في الأرض يسجد لله؟
نقول له: نعم . . لأنك فسرتَ السجود فيك أنت بوضْع جبهتك على الأرض ، ليدلّ على أن الذات بعلُوّها ودنُوّها ساجدة لله خاضعة تمام الخضوع ، حيث جعلتَ الجبهة مع القدم .