كلمة شيء يسمونها جنس الأجناس ، و {مِن} تفيد ابتداء ما يُقال له شيء ، أي: أتفه شيء موجود ، وهذا يسمونه أدنى الأجناس . . وتفيد أيضاً العموم فيكون:
{مِن شَيْءٍ ...} [النحل: 48] .
أي: كل شيء .
فانظر إلى أيّ شيء في الوجود مهما كان هذا الشيء تافهاً ستجد له ظِلاً:
{يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ...} [النحل: 48] .
يتفيأ: من فاءَ أي: رجع ، والمراد عودة الظل مرة أخرى إلى الشمس ، أو عودة الشمس إلى الظل .
فلو نظرنا إلى الظل نجده نوعين: ظل ثابت مستمر ، وظل مُتغيّر ، فالظل الثابت دائماً في الأماكن التي لا تصل إليها أشعة الشمس ، كقاع البحار وباطن الأرض ، فهذا ظِلٌّ ثابت لا تأتيه أشعة الشمس في أي وقت من الأوقات .
والظلّ المتحرك الذي يُسمّى الفَيْء لأنه يعود من الظل إلى الشمس ، أو من الشمس إلى الظل ، إذن: لا يُسمَّى الظل فَيْئاً إلا إذا كان يرجع إلى ما كان عليه .
ولكن . . كيف يتكّون الظل؟ يتكّون الظل إذا مَا استعرض الشمسَ جسم كثيف يحجب شعاع الشمس ، فيكون ظِلاً له في الناحية المقابلة للشمس ، هذا الظل له طُولان وله استواء واحد .
طول عند الشروق إلى أنْ يبلغَ المغرب ، ثم يأخذ في التناقص مع ارتفاع الشمس ، فإذا ما استوتْ الشمس في السماء يصبح ظِلّ الشيء في نفسه ، وهذه حالة الاستواء ، ثم تميل الشمس إلى الغروب ، وينعكس طول الظلّ الأول من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق .
ويلفتنا الحق تبارك وتعالى إلى هذه الآية الكونية في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} [الفرقان: 45 - 46] .
ذلك لأنك لو نظرتَ إلى الظلِّ وكيف يمتدُّ ، وكيف ينقبض وينحسر لوجدتَ شيئاً عجيباً حقاً . . ذلك لأنك تلاحظ الظل في الحالتين يسير سَيْراً انسيابياً .