فهذه نعمة من نعم الله ناسبت تذييل الآية: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 21] .
أما في قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 26 - 28] .
فما النعمة في {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ؟ هل الموت نعمة؟!
نعم ، يكون الموت نعمة من نِعَم الله على عباده ؛ لأنه يقول للمحسن: سيأتي الموت لتلقَى جزاء إحسانك وثواب عملك ، ويقول أيضاً للكافر: انتبه واحذر . . الموت قادم ، كأنه سبحانه يُوقِظ الكفار ويَعِظهم لينتهوا عما هم فيه . . أليست هذه نعمة من نعم الله ورحمة منه سبحانه بعباده؟
وكذلك انظر إلى قول الحق تبارك وتعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 35 - 36] .
فأيّ نعمة في: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ} [الرحمن: 35] .
أيُّ نعمة في هذا العذاب؟
نعم المتدبِّر لهذه الآية يجد فيها نعمة عظيمة ؛ لأن فيها تهديداً ووعيداً بالعذاب إذا استمروا على ما هم فيه من الكفر . . ففي طيَّاتها تحذير وحِرْص على نجاتهم كما تتوعد ولدك: إذا أهملتَ دروسك ستفشل وأفعل بك كذا وكذا . وأنت ما قلت ذلك إلا لحِرصك على نجاحه وفلاحه .
إذن: فتذييل الآية بقوله:
{فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 47] .
تذييل مناسب لما قبلها من التهديد والوعيد ، وفيها بيان لرحمة الله التي يدعو إليها كلاً من المؤمن والكافر .
ثم يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ . .} .
قوله تعالى:
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ ...} [النحل: 48] .
المعنى: أَعَمُوا ولم يَرَوْا ولم يتدبروا فيها خلق الله؟
{مِن شَيْءٍ} [النحل: 48] .