وقال: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} [الطارق: 15 - 17] .
فمَنْ لا يستطيع أن يغلبك يخضع لك ، وما دام يخضع لك يسيطر عليه المنهج الذي جِئْتَ به .
وقد يكون العجز أمام القويّ دليلَ قوة ، كما عجز العرب أمام تحدِّي القرآن لهم ، فكان عجزهم أمام كتاب الله دليلَ قوتهم في المجال الذي تحدَّاهم القرآن فيه ؛ لأن الله تعالى حين يتحدَّى وحين يُنازل لا ينازل الضعيف ، لا بل ينازل القوي في مجال هذا التحدِّي .
{أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) }
التخوُّف: هو الفزع من شيء لم يحدث بعد ، فيذهب فيه الخيال مذاهبَ شتَّى ، ويتوقع الإنسان ألواناً متعددة من الشر ، في حين أن الواقع يحدث على وجه واحد .
هَبْ أنك في انتظار حبيب تأخَّر عن موعد وصوله ، فيذهب بك الخيال والاحتمال إلى أمور كثيرة . . يا تُرى حدث كذا أو حدث كذا ، وكل خيال من هذه الخيالات له أثر ولذعة في النفس ، وبذلك تكثر المخاوف ، أما إن انتظرتَ لتعرفَ الواقع فإنْ كان هناك فزع كان مرة واحدة .
ولذلك يقولون في الأمثال: (نزول البلا ولا انتظاره) ذلك لأنه إنْ نزل سينزل بلون واحد ، أما انتظاره فيُشيع في النفس ألواناً متعددة من الفزع والخوف . . إذن: التخُّوف أشدُّ وأعظم من وقوع الحَدث نفسه .
وكان هذا الفزع يعتري الكفار إذا ما عَلِموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من السَّرايا ، فيتوقع كل جماعة منهم أنها تقصدهم ، وبذلك يُشيع الله الفزع في نفوسهم جميعاً ، في حين أنها خرجتْ لناحية معينة .