ولذلك نرى في قول الحق تبارك وتعالى عن أهل سبأ: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 18 - 19] .
فهؤلاء قوم جمع الله لهم ألواناً شتى من النعيم ، وأمَّن بلادهم وأسفارهم ، وجعل لهم محطات للراحة أثناء سفرهم ، ولكنهم للعجب طلبوا من الله أن يُباعد بين أسفارهم ، كأنهم أرادوا أنْ يتميزوا عن الضعفاء غير القادرين على مشقة السفر والترحال ، فقالوا: {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 19] .
حتى لا يقدر الضعفاء منهم على خَوْض هذه المسافات .
إذن: الذي يتقلَّب في الأرض دليل على أن له من الحال حال إقامة وحال ظَعْن وقدرة على أن ينقل ما لديه ليقيم به في مكان آخر ؛ ولذلك قالوا: المال في الغربة وطن . . ومَنْ كان قادراً يفعل ما يريد .
والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد} [آل عمران: 196] .
فلا يخيفنك انتقالهم بين رحلتي الشتاء والصَّيْف ، فالله تعالى قادر أن يأخذَهم في تقلُّبهم .
وقد يُراد تقلّبهم في الأفكار والمكْر السيء بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كما في قوله تعالى: {لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور} [التوبة: 48] .
فقد قعدوا يُخطّطون ويمكُرون ويُدبِّرون للقضاء على الدعوة في مَهْدها .
ويقول تعالى:
{فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} [النحل: 46] .
المعجز: هو الذي لا يمَكِّنك من أنْ تغلبه ، وهؤلاء لن يُعجِزوا الله تعالى ، ولن يستطيعوا الإفلاتَ من عذابه ؛ لأنهم مهما بَيَّتوا فتبييتهم وكَيْدهم عند الله . . أما كيْد الله إذا أراد أنْ يكيد لهم فلن يشعروا به: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله} [الأنفال: 30] .