فهذا الشعر قد أوقع فيه لفظ الفيء على ما لم تنسخه الشمس ، لأن ما في الجنة من الظل ما حصل بعد أن كان زائلاً بسبب نور الشمس وتقول العرب في جمع فيء أفياء وهي للعدد القليل ، وفيوء للكثير كالنفوس والعيون ، وقوله: {ظلاله} أضاف الظلال إلى مفرد ، ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ، وإنما حسن هذا ، لأن الذي عاد إليه الضمير وإن كان واحداً في اللفظ وهو قوله إلى ما خلق الله ، إلا أنه كثير في المعنى ، ونظيره قوله تعالى: {لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ} [الزخرف: 13] فأضاف الظهور وهو جمع ، إلى ضمير مفرد ، لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو قوله: {مَا تَرْكَبُونَ} هذا كله كلام الواحدي وهو بحث حسن.
أما قوله: {عَنِ اليمين والشمآئل} ففيه بحثان:
البحث الأول: في المراد باليمين والشمائل قولان:
القول الأول: أن يمين الفلك هو المشرق وشماله هو المغرب ، والسبب في تخصيص هذين الاسمين بهذين الجانبين أن أقوى جانبي الإنساني يمينه ، ومنه تظهر الحركة القوية ، فلما كانت الحركة الفلكية اليومية آخذة من المشرق إلى المغرب ، لا جرم كان المشرق يمين الفلك والمغرب شماله.
إذا عرفت هذا فنقول: إن الشمس عند طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الإظلال إلى الجانب الغربي ، فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقع الإظلال في الجانب الشرقي ، فهذا هو المراد من تفيؤ الظلال من اليمين إلى الشمال وبالعكس ، وعلى هذا التقدير: فالإظلال في أول النهار تبتدئ من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض ، ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ الإظلال من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض.
القول الثاني: أن البلدة التي يكون عرضها أقل من مقدار الميل ، فإن في الصيف تحصل الشمس على يسارها ، وحينئذ يقع الإظلال على يمينهم ، فهذا هو المراد من انتقال الإظلال عن الأيمان إلى الشمائل وبالعكس.