والنوع الرابع: من الأشياء التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية على سبيل التهديد قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ} وفي تفسير التخوف قولان:
القول الأول: التخوف تفعل من الخوف ، يقال خفت الشيء وتخوفته والمعنى أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أولاً بل يخيفهم أولاً ثم يعذبهم بعده ، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك فرقة فتخاف التي تليها فيكون هذا أخذاً ورد عليهم بعد أن يمر بهم قبل ذلك زماناً طويلاً في الخوف والوحشة.
والقول الثاني: أن التخوف هو التنقص قال ابن الأعرابي يقال: تخوفت الشيء وتخفيته إذا تنقصته ، وعن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون في هذه الآية ؟ فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص ، فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال: نعم.
قال شاعرنا وأنشد:
تخوف الرحل منها تامكا قردا.. كما تخوف عود النبعة السفن
فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا ، قالوا: وما ديواننا ؟ قال شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم.
إذا عرفت هذا فنقول: هذا التنقص يحتمل أن يكون المراد منه ما يقع في أطراف بلادهم كما قال تعالى: {أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الأنبياء: 44] والمعنى أنه تعالى لا يعاجلهم بالعذاب ولكن ينقص من أطراف بلادهم إلى القرى التي تجاورهم حتى يخلص الأمر إليهم فحينئذ يهلكهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه ينقص أموالهم وأنفسهم قليلاً قليلاً حتى يأتي الفناء على الكل فهذا تفسير هذه الأمور الأربعة ، والحاصل أنه تعالى خوفهم بخسف يحصل في الأرض أو بعذاب ينزل من السماء أو بآفات تحدث دفعة واحدة حال ما لا يكونون عالمين بعلاماتها ودلائلها ، أو بآفات تحدث قليلاً قليلاً إلى أن يأتي الهلاك على آخرهم ثم ختم الآية بقوله: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} والمعنى أنه يمهل في أكثر الأمور لأنه رؤوف رحيم فلا يعاجل بالعذاب.