يتفكرون . . في أي شيء؟ يتفكرون في حال الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ، حيث لم يُؤْثَر عنه أنه كان خطيباً أو أديباً شاعراً ، ولم يُؤْثَر عنه أنه كان كاتباً مُتعلِّماً . . لم يُعرف عنه هذا أبداً طيلة أربعين عاماً من عمره الشريف ، لذلك أمرهم بالتفكُّر والتدبُّر في هذا الأمر .
فليس ما جاء به محمد عبقرية تفجَّرت هكذا مرَّة واحدة في الأربعين من عمره ، فالعمر الطبيعي للعبقريات يأتي في أواخر العِقْد الثاني وأوائل العِقْد الثالث من العمر .
ولا يُعقل أنْ تُؤجّل العبقرية عند رسول الله إلى هذا السن وهو يرى القوم يُصْرعون حوله . . فيموت أبوه وهو في بطن أمه ، ثم تموت أمه وما يزال طفلاً صغيراً ، ثم يموت جَدُّه ، فمَنْ يضمن له الحياة إلى سِنِّ الأربعين ، حيث تتفجَّر عنده هذه العبقرية؟!
إذن: تفكَّروا ، فليستْ هذه عبقرية من محمد ، بل هي أمْر من السماء ؛ ولذلك أمره ربُّه تبارك وتعالى أن يقول لهم:
{قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16] .
فكان عليكم أنْ تفكِّروا في هذه المسألة . . ولو فكرتُمْ فيها كان يجب عليكم أنْ تتهافتوا على الإسلام ، فأنتم أعلم الناس بمحمد ، وما جرَّبتم عليه لا كذباً ولا خيانةً ، ولا اشتغالاً بالشعر أو الخطابة ، فما كان لِيْصدق عندكم ويكذب على الله .
ولا بُدَّ أن نُفرّق بين العقل والفكر . فالعقل هو الأداة التي تستقبل المحسَّات وتُميِّزها ، وتخرج منها القضايا العامة التي ستكون هي المباديء التي يعيش الإنسان عليها ، والتي ستكون عبارة عن معلومات مُخْتزنة ، أما الفكر فهو أن تفكر في هذه الأشياء لكي تستنبط منها الحكم .