إذن: طبيعة الأُسْوة تقتضي أن يكون الرسول بشراً ، حتى إذا ما أمر كان هو أول المؤتمرين ، وإذا ما نهى كان هو أول المنتهين .
ومن هنا كان من امتنان الله على العرب ، ومن فضله عليهم أنْ بعثَ فيهم رسولاً من أنفسهم: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ...} [التوبة: 128] .
فهو أولاً من أنفسكم ، وهذه تعطيه المباشرة ، ثم هو بشر ، ومن العرب وليس من أمة أعجمية . . بل من بيئتكم ، ومن نفس بلدكم مكة ومن قريش ؛ ذلك لتكونوا على علم كامل بتاريخه وأخلاقه وسلوكه ، تعرفون حركاته وسكناته ، وقد كنتم تعترفون له بالصدق والأمانة ، وتأتمنونه على كل غَال ونفيس لديكم لعلمكم بأمانته ، فكيف تكفرون به الآن وتتهمونه بالكذب؟!
لذلك رَدَّ عليهم الحق تبارك وتعالى في آية أخرى فقال: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94] .
فالذي صَدَّكم عن الإيمان به كَوْنه بشراً!!
ثم نأخذ على هؤلاء مأخذاً آخر ؛ لأنهم تنازلوا عن دعواهم هذه بأنْ يأتيَ الرسول من الملائكة وقالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
فهذا تردُّد عجيب من الكفار ، وعدم ثبات على رأي .. مجرد لَجَاجة وإنكار ، وقديماً قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً .
ويرد عليهم القرآن: {قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 95] .
فلو كان في الأرض ملائكة لنزَّلنا لهم ملكاً حتى تتحقَّق الأُسْوة .