ولقد شهد عليهم بهذا الخزي رسلهم الذين أرسلوا إليهم وأتباعهم، والملائكة (قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) ، والذين أوتوا هم النبيون، فقد أوتوا علم النبوة، والذين اتبعوهم فقد اقتبسوا من علم النبوة، والملائكة، فقد أوتوا علم الرسالات بمقتضى تكوينهم، فهم عباد مكرمون لَا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وشهادة أولو العلم: (إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، أي الخزي والسوء على الكافرين بسبب كفرهم وعنادهم، ومشاقّتهم للَّه ولرسوله، وأهل الحق، وقد قال تعالى فيهم:
(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(28)
(الَّذِينَ تَتَوَفَاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) هم الكافرون، فهذه الجملة عطف بيان أو بدل مما قبلها، وهذا يتضمن حالهم عند الوفاة، ووصفهم الأصلي الذي أرداهم في الجحيم، وهو أنهم ظالمون لأنفسهم، وذلك الظلم بشركهم، فالشرك في ذاته ظلم، وهو ظلم للنفس؛ لأنه انحراف فيها، وعوج في تكوينها يشبه عوج الأعضاء بعد استقامتها، وهو ظلم للعقل والفكر إذ يحطه من عبادة اللَّه إلى عبادة الأحجار، وهو يؤدي إلى ظلم الأبرار، والظلم يعود على الظالم، فمرتعه ونهايته عليه، فكأنه في الابتداء انتهى إليها.
وقوله تعالى: (فَألْقَوُا السَّلَمَ) وهو الاستسلام والخضوع والإخبات بعد أن عتوا واستكبروا، والفاء للتعقيب، أي أنهم بعد أن توفتهم الملائكة فوزا ألقوا السلم والخضوع، وانتقلوا من كبرياء ظلمة إلى ضعة صاغرة مستكينة، وعبَّر بـ (ألقوا) والإلقاء لَا يكون إلا للأجسام للإشارة إلى أنهم انحطوا كما تنحط الأجسام من أعلى إلى أسفل، ونسوا ما كانوا يعملون، وقالوا: (مَا كنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء) ، و (مِنْ) لاستغراق النفي، أي ما كنا نعمل أي سوء، ونسوا أنفسهم ونسوا أعمالهم لقد زال كبرهم وغطرستهم، فزالت شخصيتهم الظالمة، وحسبوا أنهم لم يفعلوا سوءا.