وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله قال: قال عبد الله بن مسعود: لا يبلغ عبد حقيقة الإِيمان حتى يحل بذروته ، ولا يحل بذروته حتى يكون الفقر أحب إليه من الغنى والتواضع أحب إليه من الشرف ، وحتى يكون حامده وذامّه سواء. قال: ففسرها أصحاب عبد الله قالوا: حتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغني في الحرام. وحتى يكون التواضع في طاعة الله أحب إليه من الشرف في معصية الله ، وحتى يكون حامده وذامّه في الحق سواء.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: اجتمعت قريش فقالوا: إن محمداً رجل حلو اللسان ، إذا كلمه الرجل ذهب بعقله ، فانظروا أناساً من أشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم ، فابعثوهم في كل طريق من طرق مكة على رأس كل ليلة أو ليلتين ، فمن جاء يريده فردوه عنه. فخرج ناس منهم في كل طريق ، فكان إذا أقبل الرجل وافداً لقومه ينظر ما يقول محمد فينزل بهم. قالوا له: أنا فلان ابن فلان. فيعرفه بنسبه ويقول: أنا أخبرك عن محمد ، فلا يريد أن يعني إليه ، هو رجل كذاب ، لم يتبعه على أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه. وأما شيوخ قومه وخيارهم ، فمفارقون له فيرجع أحدهم. فذلك قوله {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأوّلين} فإذا كان الوافد ممن عزم الله له على الرشاد فقالوا له مثل ذلك في محمد ، قال: بئس الوافد انا لقومي إن كنت جئت ، حتى إذا بلغت إلا مسيرة يوم ، رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل. وانظر ما يقول: وآتي قومي ببيان أمره ، فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم: ماذا يقول محمد؟ فيقولون: {خيراً للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} [النحل: 30] يقول: مال {ولدار الآخرة خير} [النحل: 30] وهي الجنة.