وكذلك جملة {وهم مستكبرون} بنيت على الاسمية للدّلالة على تمكّن الاستكبار منهم.
وقد خولف ذلك في آية سورة الفرقان (21) {لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً} لأن تلك الآية لم تتقدّمها دلائل على الوحدانية مثل الدلائل المذكورة في هذه الآية.
وجملة لا جرم أن الله يعلم معترضة بين الجملتين المتعاطفتين.
والجَرم بالتحريك: أصلهُ البُدُّ.
وكثر في الاستعمال حتى صار بمعنى حَقّاً.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: {لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} في سورة هود (22) .
وقوله: {أن الله يعلم} في موضع جرّ بحرف جرّ محذوف متعلق بـ {جَرَم} .
وخبر {لا} النافية محذوف لظهوره ، إذ التقدير: لا جرم موجودٌ.
وحذْف الخبر في مثله كثير.
والتقدير: لا جرم في أن الله يعلم أو لا جرم من أنه يعلم ، أي لا بدّ من أنه يعلم ، أي لا بدّ من علمه ، أي لا شكّ في ذلك.
وجملة {أن الله يعلم} خبر مستعمل كناية عن الوعيد بالمؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما بالمُؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما مؤاخذةَ عقاب وانتقام ، فلذلك عقب بجملة {إنه لا يحب المستكبرين} الواقعةِ موقع التعليل والتذييل لها ، لأن الذي لا يحب فعلاً وهو قادرٌ يجازي فاعله بالسّوء.
والتعريف في {المستكبرين} للاستغراق ، لأن شأن التذييل العموم.
ويشمل هؤلاء المتحدّث عنهم فيكون إثبات العقاب لهم كإثبات الشيء بدليله.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) }
و {إذا قيل لهم} عطف على جملة {قلوبهم منكرة} [سورة النحل: 22] ، لأن مضمون هذه من أحوالهم المتقدم بعضُها ، فإنه ذُكر استكبارهم وإنكارهم الوحدانية ، وأتبع بمعاذيرهم الباطلة لإنكار نبوءة محمد وبصدّهم الناس عن اتّباع الإسلام.