فأما علم يوسف عليه الصلاة والسلام بالتعبير للرؤيا, فإنّ نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - كان أعلم خلق الله بها وكان من شأنه أنه إذا صلى الصبح واستقبل الناس قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا» فيقصّها ويخبره بالجواب, وكان أوّل ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح, ورأى منامات كثيرةً فعبّرها فوقعت كما عبّرها, كما عبَر في رؤياه السوارين من الذهب بكذّابين يخرجان بعدَه فكان كذلك خرج الأسوَدُ العنسي ومسيلمة الكذّاب, وكذلك رُؤياه البقر التي رآها تُنحَرُ فكان ما عَبره بأن نفراً من أصحابه يُقتلون فكان كذلك, وهكذا رؤياه في السيف الذي هزّه في المنام فاندقّ صدره ثم هزّه فعاد كما كان عبره بهزيمة أصحابه ثم يُنصرون بعد ذلك فكان كذلك, ومن الشواهد على علمه بالتعبير العلم التامّ الكامل ما قصّه عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - عليه, فقال له أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بأبي أنت دعني فأعبُرَها, فقال: «اعبُرْها» فتكلم عليها أبو بكر - رضي الله عنه - ثم قال: والله لتُخبرنّي يا رسولَ الله أصبتُ أم أخطأتُ, فقال: «أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً» , فقال: والله لتخبرنّي ما الذي أصبتُ وما الذي أخطأتُ, فقال: «لا تقسم» ؛ ولولا وفور علمه لما انتقَد على أبي بكر هذا الانتقاد, وقد كان في أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - مَن يَعْبُرُ الرؤيا من السلف والخلف أمور عجيبة وأحوال غريبة ليس هذا مكان شرحها لكثرتها.
فإن قيل: إن يوسف عليه الصلاة والسلام قاسى مرارة الفرقة وامتُحِن بالغربة عن أبيه وأهله ووطنه؟
قيل: الذي قاسى محمد - صلى الله عليه وسلم - من فراق بلدهِ الحرام والمشاعر العظام ووطنه ومسقط رأسه أعظم من ذلك, فقد أُلجئ إلى مفارقة حَرَم الله الآمن, فخرج متلفتاً إلى البيت وقال وهو حزين مستعبر: «والله إنّي لأعلم أنك أحبّ البقاع إلى الله ولولا أني أخرجت منكِ ما خرجت» , ولما ورد المدينة كانت وبيئةً فوُعك أصحابُه - رضي الله عنهم - فقال: «اللهم العن فلاناً وفلاناً كما أخرجونا من مكة»