وقول يعقوب ليوسف"يا بني"يُفْهم منه أن يوسف عليه السلام ما زال صغيراً ، فيعقوب هو الأصل ، ويوسف هو الفرع ، والأصل دائماً يمتلئ بالحنان على الفرع ، وفي نفس الوقت نجد أيَّ أب يقول: مَنْ يأكل لقمتي عليه أن يسمع كلمتي .
وقول الأب: يا بني ، يفهم منه أن الابن ما زال صغيراً ، ليست له ذاتية منفصلة عن الأب ليقرر بها ما هو المناسب ، وما هو غير المناسب .
وحين يفزع يوسف مما يُزعِجه أو يُسيء إليه ؛ أو أي أمر مُعْضَل ؛ فهو يلجأ إلى مَنْ يحبه ؛ وهو الأب ؛ لأن الأب هو الأقدر في نظر الابن - على مواجهة الأمور الصعبة .
وحين روى يوسف عليه السلام الرؤيا لأبيه ؛ قال يعقوب عليه السلام:
{قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ} [يوسف: 5] .
ونفهم من كلمة"رؤيا"أنها رؤيا منامية ؛ لأن الشمس والقمر والنجوم لا يسجدون لأحد ، وهذا ما يوضح لنا دقة اللغة العربية ، فكلمة واحدة هي"رأى"قد يختلف المعنى لها باختلاف ما رُؤيَ ؛ فرؤيتك وأنت يقظانُ يُقال عنها"رؤية"؛ ورؤيتك وأنت نائم يُقال عنها"رؤيا".
والرؤية مصدر مُتفق عليه من الجميع: فأنت ترى ما يراه غيرك ؛ وأما"الرؤيا"فهي تأتي للنائم .
وهكذا نجد الالتقاء في"رأى"والاختلاف في الحالة ؛ هل هي حالة النوم أو حالة اليقظة . وفي الإعراب كلاهما مؤنث ؛ لأن علامة التأنيث إما:"تاء"، أو"ألف ممدودة"، أو"ألف مقصورة".
وأخذت الرؤية الحقيقية التي تحدث في اليقظة"التاء"وهي عمدة التأنيث ؛ أما الرؤيا المنامية فقد أخذت ألف التأنيث .
ولا يقدح في كلمة"رؤيا"أنها منامية إلا آية واحدة في القرآن حيث تحدث الحق سبحانه عن لحظة أن عُرِجَ به صلى الله عليه وسلم ؛ فقال: {وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ} [الإسراء: 60] .