ولكن من يقولون:"إنها رؤيا منامية"لم يفقهوا المعنى وراء هذا القول ؛ فالمعنى هو: إن ما حدث شيء عجيب لا يحدث إلا في الأحلام ، ولكنه حدث في الواقع ؛ بدليل أنه قال عنها: أنها"فتنة للناس".
فالرسول صلى الله عليه وسلم لو كان قد قال إنها رؤيا منامية لما كذَّبه أحد فيما قال: لكنه أعلن أنها رؤيا حقيقية ؛ لذلك عَبّر عنها القرآن بأنها فتنة للناس .
وهنا يقول يعقوب عليه السلام:
{قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ . .} [يوسف: 5] .
لأن يعقوب عليه السلام كأب مأمونٌ على ابنه يوسف ؛ أما إخوة يوسف فهم غير مأمونين عليه ، وحين يقصُّ يوسف رؤياه على أبيه ، فهو سينظر إلى الصالح ليوسف ويدلُّه عليه .
أما إن قصَّ الرؤيا على إخوته ؛ فقد تجعلهم الأغيار البشرية يحسدون أخاهم ، وقد كان .
وإن تساءل أحد: ولماذا يحسدونه على رؤيا منامية ، رأى فيها الشمس والقمر وأحدَ عشرَ كوكباً يسجدون له؟
نقول: لا بُدَّ أن يعقوب عليه السلام قد عَلِم تأويل الرُّؤيا: وأنها نبوءة لأحداث سوف تقع ؛ ولا بُدَّ أن يعقوب عليه السلام قد علم أيضاً قدرة إخوة يوسف على تأويل تلك الرؤيا ، ولو قالها يوسف لهم لَفهِموا المقصود منها ، ولا بُدَّ حينئذ أن يكيدوا له كيداً يُصيبه بمكروه .
فهم قد أصابهم الضيق من يوسف وهو ما زال طفلاً ، فما باله بضيقهم إنْ عَلِموا مثل هذه الرؤيا التي سيجد له فيها الأب والأم مع الإخوة .
ولا يعني ذلك أن نعتبر إخوة يوسف من الأشرار ؛ فهم الأسباط ؛ وما يصيبهم من ضيق بسبب عُلُو عاطفة الأب تجاه يوسف هو من الأغيار التي تصيب البشر ، فهم ليسوا أشراراً بالسَّليقة ؛ لأن الشرير بالسَّليقة تتصاعد لديه حوادثُ السوء ، أما الخيِّر فتتنزَّل عنده حوادث السوء .