وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ أي في الأديان والاعتقادات والمذاهب والآراء، وقيل: في الهدى، أو في الرّزق يسخر بعضهم بعضا، قال ابن كثير: والمشهور الصّحيح الأول.
إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي المرحومين من أتباع الرّسل الذين تمسّكوا بما أمروا به من الدّين، الذي أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم، حتى جاء خاتم الرّسل، ففاز من اتّبعه بسعادة الدّنيا والآخرة، فهم الفرقة النّاجية.
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ قال الزّمخشري ممثلا رأي المعتزلة: لِذلِكَ: إشارة إلى ما دلّ عليه الكلام الأول وتضمّنه، يعني: ولذلك المذكور من التّمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف، خلقهم، ليثيب مختار الحقّ بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره.
ويرى أهل السّنة كما ذكر أبو حيان: أنّ اللام ليست للتّعليل، وإنما هي على التّحقيق لام الصّيرورة في ذلك المحذوف، أي ليس الاختلاف والرّحمة علّة الخلق، وإنما خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف. مثل قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص 28/ 8] . ولا يتعارض هذا مع قوله
تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذّاريات 51/ 56] لأن معنى هذا الأمر بالعبادة.
والإشارة في قوله تعالى: لِذلِكَ: إشارة إلى الاختلاف والرّحمة معا في رأي ابن عباس، واختاره الطّبري، وقال مجاهد وقتادة: لِذلِكَ: إشارة إلى الرّحمة التي تضمّنها قوله تعالى: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ والضّمير في خَلَقَهُمْ عائد على المرحومين.
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ .. أي سبق في قضاء الله وقدره لعلمه التّام وحكمته النّافذة أن ممن خلقه من يستحق الجنّة، ومنهم من يستحق النّار، وأنه لا بدّ أن يملأ جهنّم من هذين الثّقلين: الجنّ والإنس، وهم الذين لا يهتدون بما أرسل الله به الرّسل من الآيات والأحكام. قال ابن عباس: خلقهم فريقين: فريقا يرحم فلا يختلف، وفريقا لا يرحم فيختلف، فذلك قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. وقوله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ مَنْ: لبيان الجنس، أي من جنس الجنّة وجنس النّاس .. وقوله تعالى: أَجْمَعِينَ تأكيد.