والظاهر من الآية هو الوجه الأول, فإِنهم كما ينكرون الآخرة ودوام سماواتها وأَرضها ينكرون وعدها ووعيدها، ولكن هذا الإِنكار لا يمنع أَن يتوعدهم الله بعذاب الآخرة، ويصف لهم أهوالها لعلم يرجعون.
{إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} :
ظاهر هذا الاستثْناء أَنه تعالى يشاءُ خروج الأشقياء من النار, وأن خلودهم فيها ينقطع عند هذه المشيئة، وقد حمل هذا التوهم بعض المفسرين على أَن يقول: إن المراد بالذين شقوا، الذين ارتكبوا ما يشقيهم ولا يسعدهم سواءٌ أَكانوا كفارا أَم مؤْمنين عصاة، ويحمل الاستثناء عند صاحب هذا الرأى على عصاة المؤْمنين، وكأنه قيل: فأما الذين شقوا بكفرهم أو معاصيهم، ففي النار خالدين فيها أَبدا إلا من شاء ربك عدم خلودهم من عصاة المؤْمنين.
{إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} :
فلا يمنعه أحد من العفو عنهم لإِيمانهم بعد ما عذبوا على ذنوبهم.
ورأَى بعض آخر من المفسرين أن المراد بالذين شقوا هم الكفار, وأَن المراد بقوله تعالى: {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} إلا الوقت الذي شاء الله فيه أن ينقلوا من عذاب النار إلى عذاب آخر كالزمهرير وغيره، فأمرهم دائر بين التعذيب بالنار والتعذيب بغيرها ولا أمل لهم في انقطاع العذاب عنهم بأى وجه، أو إلا الوقت الذي يتوقفون فيه في الموقف للحساب، وقيل الاستثناء ليس من خلودهم في النار، بل من قوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} .
والمعنى على هذا: فأَما الكافرون الذين شقوا بكفرهم ففي النار لهم فيها زفير وشهيق حال خلودهم الأبدى فيها, لا ينقطع زفيرهم وشهيقهم إلا ما يشاؤها الله، يكون تعبيرهم فيها عن كربهم بغير الزفير والشهيق.
ونقل القرطبي في الوجه الرابع في تفسيره لها عن ابن مسعود أنه قال: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} لا يموتون فيها ولا يخرجون منها {إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ} وهو أن يأمر النار فتأكلهم وتفنيهم, ثم يجدد خلقهم ليتجدد تعذيبهم. ولعله استمد هذا الرأي من قوله تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} .