فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ كُلَّ مَا وُصِفُوا بِهِ بَيَانٌ لِحَقِيقَةِ حَالِهِمْ بِأَنْزَهِ تَعْبِيرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَقْرُونًا بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ وَالْأَخْلَاقِ السَّافِلَةِ وَالسَّرَائِرِ الَّتِي هِيَ شَرٌّ مِنْهَا ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِوَصْفِهِمُ التَّنْفِيرُ مِنْهُ لِإِعْدَادِ مَنْ فِيهِ اسْتِعْدَادًا لِقَبُولِ الْحَقِّ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ ، وَقَدْ تَابَ أَكْثَرُهُمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
(الْفَصْلُ الثَّانِي)
(فِي الْمُنَافِقِينَ وَصِفَاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَسِيَاسَةِ الْإِسْلَامِ فِيهِمْ)
النِّفَاقُ خُلُقٌ رَدِيءٌ وَوَصْفٌ خَبِيثٌ تَتَلَوَّثُ بِهِ الْأَنْفُسُ الدَّنِيئَةُ الْفَاسِدَةُ الْفِطْرَةِ ، فَلَا يَرَى أَهْلُهَا وَسِيلَةً إِلَى مَطَامِعِهِمْ فِي الْمَالِ وَمَطَامِحِهِمْ إِلَى الْجَاهِ إِلَّا الْكَذِبَ ، وَالرِّيَاءَ ، وَلِقَاءَ النَّاسِ بِالْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَالتَّصَنُّعَ ، وَالْخِدَاعَ ، وَلِينَ الْقَوْلِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) (63: 4) وَهُمْ يُوجَدُونَ فِي كُلِّ شِعْبٍ وَكُلِّ قَبِيلَةٍ ، لَا تَخْلُو مِنْهُمْ بَادِيَةٌ وَلَا حَاضِرَةٌ ، وَالنِّفَاقُ قِسْمَانِ: خَاصٌّ وَعَامٌّ ، فَالْخَاصُّ: هُوَ الشَّخْصِيُّ الَّذِي يُحَاوِلُ صَاحِبُهُ لِقَاءَ كُلِّ أَحَدٍ مِمَّا يُرْضِيهِ
عَنْهُ وَيُحَبِّبُهُ إِلَيْهِ وَلَا سِيَّمَا الْحُكَّامِ وَأَصْحَابِ الْجَاهِ وَالْمَنَاصِبِ وَالثَّرَاءِ الَّذِينَ يُرْجَى الِانْتِفَاعُ مِنْهُمْ أَوْ يُخْشَى ضَرُّهُمْ ، فَهُوَ يَلْبَسُ لِلصَّالِحِينَ مِنْهُمْ لِبَاسَ التَّقْوَى