جَمَعَ زَيْدٌ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا لِأَبِي بَكْرٍ فِي زَمَانِهِ ، وَالثَّانِيَةُ لِعُثْمَانَ فِي زَمَانِهِ ، وَكَانَ هَذَا فِي مَرَّتَيْنِ لِسَبَبَيْنِ وَلِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَانَ لِئَلَّا يَذْهَبَ الْقُرْآنُ بِذَهَابِ الْقُرَّاءِ ، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ: {يَذْهَبُ الْعِلْمُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِذَهَابِ الْعُلَمَاءِ} ، فَلَمَّا تَحَصَّلَ مَكْتُوبًا صَارَ عُدَّةً لِمَا يُتَوَقَّعُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا جَمْعُهُ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ فَكَانَ لِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَةِ ، فَجُمِعَ فِي الْمَصَاحِفِ لِيُرْسَلَ إلَى الْآفَاقِ ، حَتَّى يُرْفَعَ الِاخْتِلَافُ الْوَاقِعُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ.
ثَانِيهَا: قَالَ ابْنُ الطَّيِّبِ: مِنْ اضْطِرَابِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ زَيْدًا تَارَةً قَالَ: وَجَدْت هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ السَّاقِطَةَ ، وَتَارَةً لَمْ يَذْكُرْهُ ، وَتَارَةً ذَكَرَ قِصَّةَ بَرَاءَةٍ ، وَتَارَةً قِصَّةَ الْأَحْزَابِ أَيْضًا بِعَيْنِهَا.
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُقَالُ لِلِّسَانِ: هَذِهِ عَثْرَةٌ ، وَمَا الَّذِي يَمْنَعُ عَقْلًا أَوْ عَادَةً أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الرَّاوِي حَدِيثٌ مُفَصَّلٌ يَذْكُرُ جَمِيعَهُ مَرَّةً ، وَيَذْكُرُ أَكْثَرَهُ أُخْرَى ، وَيَذْكُرُ أَقَلَّهُ ثَالِثَةً ؟ ثَالِثُهَا: قَالَ ابْنُ الطَّيِّبِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ مَوْضُوعًا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: إنَّ زَيْدًا وَجَدَ الضَّائِعَ مِنْ الْقُرْآنِ عِنْدَ رَجُلَيْنِ.