{صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} وذلك نتيجة لانصرافهم نفسيّاً إلى النفاق ؛ فيساعدهم سبحانه على ذلك ، فما داموا لا يعرفون قيمة الإيمان ؛ فليذهبوا بعيداً عنه ، فالحق لهم يصرفهم إلا باختيارهم ، حتى لا يقول أحد: إن الله هو مصرف القلوب ، فما ذنبهم؟ لا ، لقد انصرفوا هم بما خلقه الله فيهم من اختيار ، فصرف الله قلوبهم ، لماذا؟ لأنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي: لا يفهمون .
والفهم أول مرحلة من مراحل الذات الإنسانية ، وهناك فرق بين الفهم والعلم . فالفهم يعني أنك تملك القدرة على تَفَهُّم ذاتية الأشياء بملكة فيك ، لكن العلم يعني أنك قد لا تفهم أنت بذاتك ، وإنما يفهم غيرك ويعلمك . فأنت قد تعلم جزئية لا من عندك وإنما من معلم لك . ولكن قد يقول قائل: ما داموا لا يفقهون فما ذنبهم؟ ونقول: الذي لا يفهم عليه أن يتقبل التعليم ، لكن هؤلاء لم يفهموا ولم يتعلَّموا ، وأصروا على عدم قبول العلم .
وبعد ذلك يتأتى ختام سورة التوبة .
والسورة بدأت بالقطيعة: {بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين} [التوبة: 1]
ووردت لنا أحوال الكفار والمنافقين وتكاليف الجهاد الشاقة ، وأراد الحق أن يختم السورة بما يبرر هذه المشقات المتقدمة ، فبيّن لنا: إياكم أن تنفضُّوا عن الرسول أو تغضبوه ؛ لأنه وإن جاء لكم ببلاغ فيه أمور شاقة عليكم فخذوا هذه الأمور الشاقة على أنها من حبيب لكم ، لا من عدو لكم .
إنك مثلاً إن رأيت عدوّا ضرب ابنك وجرحه ، يكون وقع هذا الأمر شديداً عليك ؛ لأنه عدو . لكنك إذا أخذت ابنك للطبيب وقرر الطبيب إجراء جراحة للابن ، فأنت تقبل ذلك ؛ لتزيل عن ابنك خطراً . إذن: فهناك فارق بين جرح عدوك لابنك وجرح الطبيب له رغم أن الإيلام قد يكون واحداً .