وقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة، ومعنى الآية: ليتفقهوا: أي: ليتبصروا وليتيقنوا بما يريهم الله - عز وجل - من الظهور على المشركين، ونصرة الدين، ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد، فيخبروهم بنصرة الله النبي والمؤمنين [وأنهم لا يدان لهم بقتال النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين] {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الكفار.
قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل على أن فرض الجهاد يجزئ فيه الجماعة عن الجماعة.
قال أبو عبيد: لولا هذه الآية لكان الجهاد حتمًا واجبًا على كل مؤمن في خاصة نفسه وماله، كسائر الفرائض، ولكن هذه الآية جعلت للناس الرخصة في قيام بعضهم بذلك عن بعض.
123 -قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} يريد: الذين يقربون منكم، قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوهم من المدينة مثل قريظة النضير وخيبر وفدك، وقال في رواية عطاء: يريد الشام من الروم والعرب الكفار، وذلك أن الشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق.
وقيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ربما تخطى في حربه الذين يلونه من الأعداء ليكون أهيب له، فأمر بقتال من يليه، وهذا دليل أنه إنما ينبغي أن يقاتل أهل كل ثغر الذين يلونهم، وفيه فوائد: خفة المؤنة على بيت المال بقرب الطريق، وأن كل طائفة من المسلمين أهدى إلى مكايد من يليهم وإلى عوراتهم؛ ولأن المسلمين إذا تباعدوا وخلفوا بالقرب منهم طائفة من المشركين لم يأمنوا أن يهجموا على ذراريهم فتوجل لذلك قلوب الغزاة.
قوله تعالى: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} ، قال الزجاج: فيها ثلاث لغات: فتح الغين وضمها وكسرها، قال ابن عباس: يريد شجاعة، وقال مجاهد: شدة، وقال الحسن: صبرًا منكم على الجهاد، وقال الضحاك: عنفًا.