أي: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يستطيع أن يتفوق في ذلك ، لكن الحق سبحانه لم يُعلِّمه الشعر ؛ لأنه لا ينبغي له أن يتعلَّمه ، لماذا؟ لأن العرب يعلمون أن أعذب الشعر أكذبه ، وما دام أعذبه أكذبه ، فالحق سبحانه لا يريد أن يعلم الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم مُرْتاض على صناعة البيان أساليب الأدب ، وبعد ذلك يُفاجئ الدنيا بالبيان الأعلى في القرآن ، ويعلن صلى الله عليه وسلم أن هذا البيان ليس من عنده .
وقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم مدة طويلة ، ولم يسمعوا منه شعراً ، فكل ما جاء به بلاغاً عن الله لا يُنسب لمحمد ، ولكنه منسوب إلى رب محمد .
وقوله الحق: {وَمَا يَنبَغِي لَهُ} [يس: 69]
أي: لا يصح أن يكون الأمر ، رغم استعداد محمد صلى الله عليه وسلم ذلك ، وكان من الممكن أن يعلِّمه ربه الشعر وفنون القول ؛ ولذلك حينما قال أناس: إن القرآن من عند محمد ، جاء القول الحق مبلِّغاً محمداً: {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]
وقد عاش بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين عاماً ولم يقل قصيدة أو مقالة .
ومن الذي يستطيع أن يؤخر عبقريته إلى الأربعين؟ نحن نعلم أن ميعاد بَدْء العبقرية إنما يظهر من قبل العشرين ، أي: في العقد الثاني من العمر ، ولا أحد يؤخر عبقريته .
إذن: فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نزل عليه القرآن بالترغيب في الجهاد كادت المدينة تخلو من المسلمين ؛ فجاء قوله الحق:
{وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]