وأشعر نفي وجوب النفْر على جميع المسلمين وإثباتُ إيجابه على طائفة من كل فرقة منهم بأن الذين يجب عليهم النفر ليسوا بأوفر عدداً من الذين يبقون للتفقه والإنذار ، وأن ليست إحدى الحالتين بأوْلى من الأخرى على الإطلاق فيعلم أن ذلك منوط بمقدار الحاجة الداعية للنفر ، وأن البقية باقية على الأصل ، فعلم منه أن النفير إلى الجهاد يكون بمقدار ما يقتضيه حال العدو المغزُو ، وأن الذين يبقون للتفقه يبقون بأكثر ما يستطاع ، وأن ذلك سواء.
ولا ينبغي الاعتماد على ما يخالف هذا التفسير من الأقوال في معنى الآية وموقعها من الآي السالفة.
ولولا: حرف تحْضيض.
والفرقة: الجماعة من الناس الذين تفرقوا عن غيرهم في المواطن ؛ فالقبيلة فرقة ، وأهل البلاد الواحدة فرقة.
والطائفة: الجماعة ، ولا تتقيد بعدد.
وتقدم عند قوله: {فلتقم طائفة منهم معك} في سورة النساء (102) .
وتنكير {طائفة} مؤذن بأن النفر للتفقه في الدين وما يترتب عليه من الإنذار واجب على الكفاية.
وتعيين مقدار الطائفة وضبط حد التفقه موكول إلى ولاة أمور الفرق فتتعين الطائفة بتعيينهم فهم أدرى بمقدار ما تتطلبه المصلحة المنوط بها وجوب الكفاية.
والتفقه: تكلف الفقاهة ، وهي مشتقة من فقه (بكسر القاف) إذا فهم ما يدق فهمه فهو فاقِهٌ.
فالفقه أخص من العلم ، ولذلك نجد في القرآن استعمال الفقه فيما يخفى علمه كقوله: {لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44] ، ويجيء منه فقه بضم القاف إذا صار الفقه سجيته ، فقاهة فهو فقيه.
ولما كان مصير الفقه سجية لا يحصل إلا بمزاولة ما يبلغ إلى ذلك كانت صيغة التفعل المؤذنة بالتكلف متعينة لأن يكون المراد بها تكلف حصول الفقه ، أي الفهم في الدين.
وفي هذا إيماء إلى أن فهم الدين أمرٌ دقيق المسلك لا يحصل بسهولة ، ولذلك جاء في الحديث الصحيح"مَن يرد الله به خيراً يفَقِّهْه في الدِين"، ولذلك جزم العلماء بأن الفقه أفضل العلوم.