ولا يجلس، وهذا قول عكرمة، وقال الكلبي:"هو أنه إذا أعطى الجزية صفع في قفاه"، وقيل: معنى الصغار ههنا:"هو إعطاؤهم إياها".
فأما حكم هذه الآية: فاعلم أن المشركين فريقان: فريق هم عبدة الأوثان، وعبدة ما استحسنوا، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية ويجب قتالهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وفريق هم أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى والصابئون والسامرة وهذان الصنفان سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فينا، وكذلك المجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -:"سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، ويروى أنه عليه الصلاة والسلام أخذ الجزية من مجوس هجر، فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية، ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية.
وأما قدرها فقال أنس:"قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كل محتلم دينارًا"، وقسم عمر - رضي الله عنه - على الفقراء من أهل الذمة اثنى عشر درهمًا، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين درهما، قال أصحابنا:"وأقل الجزية دينار ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي، فإذا رضوا والتزموا الزيادة ضربنا على المتوسط دينارين وعلى الغني أربعة دنانير، والاختيار في الابتداء إليهم، فإذا قبلوا وجب على الإمام تقريرهم في بلاد الإسلام، إلا أن يخاف فتنة، فالمصلحة مفوضة إلى اجتهاده، فإن قبل الواحد منهم أربعة دنانير ثم بدا له وأراد أن يقر في بلاد الإسلام بدينار واحد لم يكن له إلى ذلك سبيل، فإن نقض العهد كلفناه الخروج إلى دار الحرب، فإن قبل بعد النقض دينارا واحدا لزمنا تقريره، قال المفسرون:"وإنما أقر هؤلاء على دينهم بأخذ الجزية حرمة لآبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل؛ ولأن في أيديهم كتابهم فربما يتفكرون وينظرون فيعرفون صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - ونبوته، فأمهلوا لهذا المعنى"."