وإذا كانت الآية نازلة فيهم فمعنى قوله: {لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} أن إقرارهم عن غير معرفة فليس بإيمان، وهذا معنى قول أبي إسحاق:"إنهم لا يؤمنون بالله إيمان الموحدين، فأعلم الله - عز وجل - أن ذلك غير إيمان، وأن إيمانهم بالبعث ليس على جهة الإيمان لأنهم لا يقرون بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون".
وقوله تعالى: {وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} ، قال ابن عباس:"يريد من الميتة والدم ولحم الخنزير"، وقال الكلبي:"يعني الخمر"، وقوله تعالى: {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} ، قال الكلبي:"ولا يعبدون عبادة الحق"، والحق هو الله تعالى، وروى شيبان عن قتادة: الحق هو الله ودينه الإسلام، قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19] : [وقال أبو عبيدة: معناه] ولا يطيعون الله طاعة أهل الإسلام، وكل من أطاع ملكًا أو ذا سلطان فقد دان له، ومنه قول زهير:
لئن حللت بجوٍ في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك
أي في طاعة عمرو، وطى هذا التقدير: لا يدينون دين أهل الحق، أي طاعة أهل الإسلام فحذف المضاف، وقوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ، قال ابن عباس:"يريد من اليهود والنصارى والصابئين"،
وقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} ، قال الحسن:"قاتل رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام ولم يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الطعمة - يعني الجزية - في شأن أهل الكتاب وهو قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ} إلى قوله: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} ."
والجزية هي: ما يعطي المعاهد على عهده، وهي (فِعْلة) من جزى يجزي إذا قضى ما عليه، وقوله: {عَنْ يَدٍ} ، قال ابن عباس:"هو أنهم يعطونها بأيديهم يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركبانًا، ولا يرسلون بها".