ويقول صلى الله عليه وسلم في التحذير من ظلم أهل الذمة وانتقاص حقوقهم: (من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة) (10) ، ويقول: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً) . (11)
وحين أساء بعض المسلمين معاملة أهل الجزية كان موقف العلماء العارفين صارماً ، فقد مرّ هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشام قد أقيموا في الشمس ، فقال: ما شأنهم؟ قالوا: حبسوا في الجزية ، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) . قال: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين ، فدخل عليه ، فحدثه ، فأمر بهم فخُلوا. (12)
وأما الأمر بالصغار الوارد في قوله: {وهم صاغرون} ، فهو معنى لا يمكن أن يتنافى مع ما رأيناه في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم من وجوب البر والعدل ، وحرمة الظلم والعنت ، وهو ما فهمه علماء الإسلام ، ففسره الشافعي بأن تجري عليهم أحكام الإسلام ، أي العامة منها ، فالجزية علامة على خضوع الأمة المغلوبة للخصائص العامة للأمة الغالبة.
وفسره التابعي عكرمة مولى ابن عباس بصورة دفع الجزية للمسلمين ، فقال:"أن يكونوا قياماً ، والآخذ لها جلوساً"، إذ لما كانت اليد المعطية على العادة هي العالية ، طلب منهم أن يشعروا العاطي للجزية بتفضلهم عليه ، لا بفضله عليهم ، يقول القرطبي في تفسيره:"فجعل يد المعطي في الصدقة عليا ، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى ، ويد الآخذ عليا". (13)
(8) الممتحنة (8) .
(9) رواه مسلم برقم (2553) .
(10) رواه أبو داود في سننه ح (3052) في (3/170) ، وصححه الألباني ح (2626) ، ونحوه في سنن النسائي ح (2749) في (8/25) .
(11) رواه البخاري ح (2295) .
(12) رواه مسلم ح (2613)
(13) الجامع لأحكام القرآن (8/115) ، وتفسير الماوردي (2/351 - 352) .