والحق - كما نعلم - هو الشيء الثابت الذي لا يتغير . وإذا نظرنا إلى كل رسول في عصره ؛ نجده قد جاء بالحق ، وإذا جاء رسول من بعده فهو لا ينسخ العقائد ، ولكنه ينسخ في الأحكام ، وهكذا نعلم أن كل رسول جاء بالعقائد الثابتة وبالأحكام التي تناسب الزمان إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ، فكان النبي الخاتم إلى أن تقوم الساعة ، ولا بد أن يكون الحق الذي جاء به هو الحق الثابت الذي لا يتغير ؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين فلا رسول بعده ، إذن فقوله: {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} أي: أنهم لا يؤمنون حتى بما جاء في كتبهم من بشارة به صلى الله عليه وسلم ، وهذا حكم خاص بهم ؛ لأن المشكلة معهم أنهم لم يصدقوا بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله وأنه مرسل إليهم ، وسَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملتهم ما شرعه الله تعالى ، وذلك أن يعاملوا معاملة مختلفة عن المشركين ، فمعاملة المشركين كانت براءة من العهد ، وإبعاداً عن المسجد الحرام وقتالاً إن وجدناهم ، أو أن يسلموا .
أما معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب فكانت: إما أن يسلموا ، وإما أن يعطوا الجزية مع استبقاء الحياة ، ولذلك قال الحق تبارك وتعالى:
{حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}