الْكُبْرَى قَالُوا إِنَّهَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا (27: 14) أَيْ: عَانَدُوا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنَادًا بِإِظْهَارِ الْكُفْرِ بِهَا فِي الظَّاهِرِ مَعَ اسْتِيقَانِهَا فِي الْبَاطِنِ ، وَأَنَّ سَبَبَ هَذَا الْجُحُودِ هُوَ الظُّلْمُ وَالْعُلُوُّ وَالْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ، وَهَذَا وَصْفُ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ أَيْ كِبَارِ رِجَالِ دَوْلَتِهِ ، إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ سَائِرَ الشَّعْبِ كَانَ مُسْتَذَلًّا . وَهُوَ مُقَلِّدٌ لِلرُّؤَسَاءِ لِجَهْلِهِ ، وَقَدْ صَدَّقَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ مُوسَى سَاحِرٌ ، وَإِنَّ السَّحَرَةَ كَانُوا مُتَوَاطِئِينَ مَعَهُ ، وَلِذَلِكَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ بِهِ; لِأَجْلِ إِخْرَاجِ فِرْعَوْنَ وَرِجَالِ دَوْلَتِهِ مِنْ مِصْرَ ، وَالتَّمَتُّعِ بِكِبْرِيَاءِ الْمُلْكِ بَدَلًا مِنْهُمْ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخْرَى ، وَلَوْ فَهِمَ جُمْهُورُ الشَّعْبِ مِنَ الْآيَاتِ مَا فَهِمُوا لَآمَنَ كَمَا آمَنُوا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ مِنْ عُتُوِّ الْعُلُوِّ وَالْكِبْرِيَاءِ مَا يَصْرِفُهُ عَنِ الْإِيمَانِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ السَّحَرَةَ كَانُوا أَكْرَمَ مَنْزِلَةً فِي الدَّوْلَةِ مِنْ سَائِرِ الشَّعْبِ ، وَلَكِنَّ كَرَامَتَهُمْ لَمْ تَكُنْ بَالِغَةً دَرَجَةَ الْعَظَمَةِ وَالْعُلُوِّ الْمَانِعَةِ لِصَاحِبِهَا مِنْ تَرْكِهَا لِأَجْلِ الْحَقِّ ، وَقَدِ امْتَازَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ جَعَلَ اللهُ آيَةَ نُبُوَّتِهِ الْكُبْرَى عِلْمِيَّةً لَا صُعُوبَةَ فِي فَهْمِ دَلَالَتِهَا عَلَى عَامِّيٍّ وَلَا خَاصِّيٍّ ، عَلَى أَنَّهُ أَيَّدَهُ فِي زَمَنِهِ بِعِدَّةِ آيَاتٍ كَوْنِيَّةٍ .