المثال السادس والعشرون: يجوز تعليق الإبراء بالشرط. ويصح ، وفعله الإمام أحمد وقال أصحابنا: لا يصح. قالوا: فإذا قال: إن مت فأنت فِي حل مما لي عليك. فإن علق ذلك بموت نفسه صح ، لأنه وصية. وإن علقه بموت من عليه الدين لم يصح. لأنه تعليق البراءة بالشرط ولا يصح كما لا يصح تعليق الهبة. فيقال: أولا ، الحكم فِي الأصل غير ثابت بالنص ، ولا بالإجماع ، فما الدليل على بطلان تعليق الهبة بالشرط؟ وقد صح عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أنه علق الهبة بالشرط فِي حديث جابر لما قال:
"لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ لأعْطَيْتُكَ هكَذَا ، وَهكَذَا ، ثمَّ هكَذَا"- ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ. وأنجز ذلك له الصديق رضي الله عنه لما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم.
فإن قيل: كان ذلك وعداً؟.
قلنا: نعم ، والهبة المعلقة بالشرط وعد. وكذلك فعل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لما بعث إلى النجاشى بهدية من مسك ، وقال لأم سلمة:"إِنِّى قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِى حُلَّةً"
وَأَوَاقِى مِنْ مِسْكٍ ، وَلا أَرَى النَّجَاشِى لا قَدْ مَاتَ ، وَلا أرَى هَدِيَّتِى إِلا مَرْدُودَةً فإن رُدَّتْ عَلَى فَهِى لَكِ"وذكر الحديث ، رواه أحمد. فالصحيح: صحة تعليق الهبة بالشرط ، عملا بهذين الحديثين."
وأيضاً. فالوصية تمليك ، وهي فِي الحقيقة تعليق للتمليك بالموت ، فإنه إذا قال: إن مت من مرضى هذا فقد أوصيت لفلان بكذا ، فهذا تمليك معلق بالموت. وكذلك الصحيح: صحة تعليق الوقف بالشرط. نص عليه فِي رواية الميمونى فِي تعليقه بالموت. وسائر التعليق فِي معناه ، ولا فرق البتة. ولهذا طرده أبو الخطاب. وقال: لا يصح تعليقه بالموت. والصواب طرد النص ، وأنه يصح تعليقه بالموت وغيره. وهو أحد الوجهين فِي مذهب أحمد. وهو مذهب مالك. ولا يعرف عن أحمد نص على عدم صحته. وإنما عدم الصحة قول القاضي وأصحابه.