هذه إشارة إلى معنى العموم الذي اشتمل عليه ذلك النص السامي، وما ترمي إليه رحمته، وإن نعيم الجنة رحمة من الله، وقد كتبها الله تعالى للذين يؤمنون بالله وبالآخرة، ولذا قال تعالى: (فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) .
الفاء هنا لتفصيل بعض العام، والسين لتأكيد المستقبل، و"أكتبها"، أي أسجلها غير قابلة للمحو، وذكر أعمال أو أوصاف من يستحقونها، فكانت خصالا ثلاثا:
الأولى - التقوى واستشعار مخافة الله، وأن يتخذوا وقاية بينهم وبين الشر، وذلك بتهذيب أنفسهم بالعبادات المهذبة للنفس، التي يستشعر فيها المؤمن خشية الله تعالى، وابتدأ - سبحانه وتعالى - بها لأنها أساس قوة الخير، وهي روح التدين، وعمران القلب بذكر الله تعالى.
الثانية - الائتلاف مع المجتمع الإسلامي بالمعونة والبر، وأشار بذلك إلى إيتاء الزكاة، فهي أساس التعاون الاجتماعي، وهو سبحانه يذكرها بجوار التقوى، وهي
الكلمة الشاملة لاكثر العبادات تقريبا لله - سبحانه وتعالى - وإن التعاون الإنساني قرين العبادات، بل هو منها، وأقربها عند الله - سبحانه وتعالى.
الثالثة - أنهم يؤمنون بآيات الله تعالى وحدها، يؤمنون بالمعجزات ولا يؤمنون بما يحيط به المشركون أنفسهم مما يثيرونه من أهواء ومفاسد وجحود، ولذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنونَ) وقد قدم فيه الجار والمجرور على كلمة يؤمنون للدلالة على أنه لَا يصح أن يؤمن بغيرها، والإيمان بآيات الله إيمان بما دلت عليه، وهدت إليه من إيمان بالوحدانية، وحدانية الله تعالى بألا يشرك به شيئا، وأكد سبحانه وجوب هذه الخصلة بثلاثة مؤكدات أولها - أنه كرر الموصول، فإن التكرار تأكيد، فقال: (وَالَّذينَ) .
وثانيها - التعبير بالجملة الاسمية.
وثالثها - بضمير الفصل، وأخيرا بذكر كلمة (يُؤْمِنُونَ) ، فإن التعبير بالمضارع يفيد استمرار الإيمان وتجديده بالزيادة آنًا بعد آنٍ. جعلنا الله تعالى ممن كتب له رحمته برحمته وغفوانه.