قوله تعالى: (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ، أي واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها، فيسمّونه بغير الأسماء الحسنى.
أقول: اشتهر الإلحاد بأنه الكفر بالله، والإشراك به والشك فيه، وهذا مجاز، حقيقته الميل والعدول عن الشيء ، وقد جاء في الآية على الحقيقة.
ويعرض للألفاظ ان يشتهر فيها المجاز، وتترك الحقيقة هذا كثير، نتبيّنه في جمهرة كبيرة من الكلم.
43 -وقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ(182) .
قوله تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ، أي سنستدنيهم قليلا قليلا إلى ما يهلكهم، ونضاعف عقابهم.
أقول: و «الاستدراج» من الكلم المعروف في اللغة المعاصرة، ويراد به استدناء المرء بضرب من الحيلة والمخادعة، لأخذه بشيء ، والإفادة منه.
44 -وقال تعالى: (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [الآية 187] .
السؤال عن الساعة وعن موعدها، وقوله تعالى كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها معناه:
كأنك عالم بها.
وحقيقته: كأنك بليغ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه، استحكم علمه فيه ورصن وهذا التركيب، معناه المبالغة. ومنه إحفاء الشارب، واحتفاء البقل: استئصاله.
وأحفى في المسألة إذا ألحف.
وحفى بفلان وتحفّى به: بالغ في البرّ به وجاء في «الانتصاف» : وفي
هذا النوع من التكرير نكتة لا تلفى إلّا في الكتاب العزيز ... وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرير أن الكلام إذا بني على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طرّي بذكر المقصد الأول لتتصل نهايته ببدايته، وقد تقدّم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وهذا منها، فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها، ثم، اعترض ذكر الجواب المضمّن في قوله سبحانه: