وقال القاضي عياض: المعنى لا تنفع توبة بعد ذلك . بل يختم على عمل كل أحد بالحالة التي هو عليها . والحكمة في ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلويّ . فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة . وارتفع الإيمان بالغيب . فهو كالإيمان عند الغرغرة وهو لا ينفع . فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله . الثانية: قال السيوطي في"الإكليل": استدل المعتزلة بهذه الآية على أن الإيمان لا ينفع مع عدم كسب الخير فيه . وهو مردود . ففي الكلام تقدير . والمعنى: لا ينفع نفساً لم تكن آمنت من قبلُ ، إيمانُهَا حينئذ ، ولا ينفع نفساً لم تكسب خيراً قبلُ ، توبتُها حينئذ .
وقال الشهاب السمين: قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية إنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفساً كافرة ، إيمانُها الذي أوقعته إذ ذاك . ولا ينفع نفساً سبق إيمانها ولم تكسب فيه خيراً . فقد علق نفي الإيمان بأحد وصفين: إما نفي سبق الإيمان فقط ، وإما سبقه مع نفي كسب الخير . ومفهوم الصفة قويّ فيستدل بالآية لمذهب أهل السنة . ويكون فيه قلب دليل المعتزلة ، دليلاً عليهم .
وأجاب ابن المنير في"الانتصاف"فقال: هذا الكلام من البلاغة يلقب (اللف) وأصله: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً ، لم تكن مؤمنة قبلُ ، إيمانُها بعدُ . ولا نفساً لم تكسسب خيراً قبلُ ، ما تكتسبه من الخير بعدُ ، فَلَفَّ الكلامين فجعلهما كلاماً واحداً إيجازاً . وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحق . فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود . فهي بالرد على المعتزلة أولى من أن تدل لهم .
وقال ابن الحاجب في"أماليه": الإيمان قبل مجيء الآية نافع لو لم يكن عمل صالح غير ، ومعنى الآية: لا ينفع نفساً إيمانها ولا كسبها العمل الصالح ، لم يكن الإيمان قبل الآية ، أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها . فاختصر للعلم .