وهذه الكلمةُ قدْ قيلَ: إنَّهَا تجمعُ سر الكتبِ المنزلةِ منَ السماءِ كلِّها"لأنَّ"
الخلقَ إنما خُلِقُوا ليؤْمَروا بالعبادةِ ، كما قالَ:(وَمَا خَلَقْتُ الْجِن والإِنسَ إِلا
لِيَعْبُدُونِ)، وإنما أُرسلتِ الرسلُ وأُنزلتِ الكتبُ لذلكَ ، فالعبادةُ
حقُّ اللَّهِ على عبادِهِ ، ولا قدرةَ للعبادِ عليها بدون إعانة اللَّهِ لهم ، فلذلك
كانتْ هذه الكلمةُ بينَ اللَّهِ وبين عبدِهِ ، لأنَّ العبادةَ حقُّ اللَّهِ على عبدِه.
والإعانةُ من اللَّهِ فضل من اللَّه على عبْدِهِ.
وبعد ذلك الدعاءُ بهدايةِ الصراط المستقيمِ ؛ صراطِ المُنْعَم عليهم ، وهم
الأنبياءُ وأتباعُهم منَ الصديقين والشهداء والصالحين ، كما ذكرَ ذلكَ فِي سورة النساء.
فمنِ استقامَ على هذا الصراطِ حصلَ له سعادةُ الدنيا والآخرةِ ، واستقامَ
سيْرُه على الصراطِ يومَ القيامةِ ، ومن خرجَ عنه فهو إما مغضوب عليه ، وهو
من يعرفُ طريقَ الهُدَى ولا يتبعُه كاليهود ، أو ضالّ عن طريقِ الهُدَى
كالنصارى ونحوِهم منَ المشركين.
فإذا ختم القارئُ فِي الصلاة قراءةَ الفاتحةِ ، أجابَ اللَّهُ دعاءَه فقال:"هذا"
لعبدي ولعبدي ما سألَ"، وحينئذٍ تؤمِّنُ الملائكةُ على دعاءِ المصلِّي ، فيشرعُ"
للمصلِّين موافقتُهم فِي التأمينِ معهم ، فالتأمينُ مما يستجابُ به الدعاء.
وفي"صحيح مسلمٍ"عن أبي موسى الأشعريِّ ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:"إذا قالَ الإمامُ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فقُولُوا: آمينَ ، يُجِبكُم اللَّهُ".
ولما كانَ المأمومُ مأمورًا بالإنصاتِ لقراءةِ الإمامِ ، مأمورًا بالتأمينِ على دعائِهِ
عندَ فراغ الفاتحةِ ، لم يكن عليه قراءةٌ ؛ لأنَّه قد أنصتَ للقراءةِ ، وآمَّنَ على
الدعاءِ فكأنَّهُ دعا ؛ كما قالَ كثيرٌ منَ السلَفِ فِي قولِ اللَّهِ تعالَى لموسى
وهارونَ: (قَدْ أُجِيبَت دعوَتُكُمَا) .