بعد أن بيّن الله - عزّ وجل - أنه لا يصح لنا أن نحرّم طيبات ما أحل لنا، وبيّن لنا بعض الخبائث التي حرّمت علينا، وبعد أن ذكر أن صيد البر حال الإحرام لا يجوز - وهي حالة مستثناة من الحل العام - ينهانا في الفقرة اللاحقة أن نسأل؛ رغبة في التحريم، ويبين لنا أن ما حرّمه أهل الجاهلية على أنفسهم، من عند أنفسهم ليس حراما، بل إن ما حرّموه على أنفسهم من عند أنفسهم دليل على ضحالة العلم والعقل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ. أي: تغمّكم وتشق عليكم، إذ تؤمرون بتحمّلها فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها، وفي هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء ممّا لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنّها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربّما ساءتهم، وشقّ عليهم سماعها وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ يحتمل معنيين. الأول: وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي - وهو ما دام الرسول صلّى الله عليه وسلّم بين أظهركم - تبد لكم تلك التكاليف التي تسوؤكم، ويترتب على ذلك تفريط. والمعنى الثاني: أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزّل الوحي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تبيّن لكم، وعلى هذا يكون المعنى: إن السؤال لتفهم الوحي جائز، وأما السؤال ابتداء فقد يترتب عليه ضرر عام، وهذا لا يجوز عَفَا اللَّهُ عَنْها. عفا الله عما سلف من
مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ومن حلمه أنه لا يعاقبكم إلا بعد الإنذار
قَدْ سَأَلَها. أي: سأل مثل هذه المسائل قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأمم السابقة ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها. أي: بسببها كافِرِينَ كما حدث لبني إسرائيل، وعرف ذلك منهم