(عَلَيكُم أَنفُسَكُم) وقد عهدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمنا هذا على هذه الأمور وهو يقول: إن الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمهم الله بعقابه) ، وما بينكم وبين أن يعمهم بعقابه إلا أن تناولوا هذه الآية على غير تأويلها ، وإنما المعنى لا تعتدوا بآبائكم واحفظوا أنفسكم أن تزِّل كما زلَّ غيركم ، وإذا اهتديتم فليس عليكم من ضلال من خالفكم شيء . كقوله: (لَّيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم) ،
وقوله: (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) .
قيل: وفيها حثٌّ على أن نظر الإنسان لنفسه أن يهذب نفسه
قبل أن يهذب غيره ، وأن يعتبر حال نفسه قبل اعتبار حال غيره.
وعلى هذا: (قُوَاْ أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارًا) .
فأمر أن يبدأ بنفسه.
وقيل: إن ذاك إشارة إلى ترك النهي باليد واللسان ، حيث يعلم أنه لا يغني ولا يجدي كما ورد في الخبر (إذا رأيتم هوى متبعا وإعجاب المرء بنفسه فعليكم أنفسكم) .
وقيل: عنى من يضل من أهل الكتاب إذا التزموا الجزية ، فيقول دعوهم وشأنهم
ولا يضركم منهم شيء ، وقيل: إن ذلك إشارة إلى وقت مخصوص.
فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
(ترك النهي إذا قدم كنيسة دمشق فجعل مسجداً ، وإذا رأت الكاسيات العارية) .
قيل: هذا كان في زمن الوليد بن عبد الملك ، فهو الذي هدم الكنيسة وضمها إلى المسجد .
وقال: مكحول وعبد الله بن مسعود: (عَلَيكُتم أَنفُسَكُم) إنما هو إذا غاب
الواعظ وأنكر الموعوظ ، وقيل: عنى بقوله: (عَلَيكُم أَنفُسَكُم) أي
لا تعتد بهؤلاء فيما يفعلونه من الشر وتركن إليهم وتستمرئ لنفسك ما تستمرئ لغيرك. كما يفعله كثير من الناس في أنهم يأخذون برخصهم فيؤدي ذلك بهم إلى الهلاك ، وهذا كقولهم: كل شاة تناط برجليها.