وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ} ، أي من بعد صلاة أهل دينهما، عن ابن عباس والسدي، وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر، وعلى هذا قال ابن قتيبة: خص هذا الوقت؛ لأنه قبل وجوب الشمس، وأهل الأديان يعظمونه، ويذكرون الله فيه، وَيتَوقَّون الحلف الكاذب وقول الزور، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.
وقال ابن الأنباري: قالوا: إنما أمرنا باستحلاف الشاهِدَين بعد صلاة العصر، لأنه وقت تعظمه اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الملل، فندبنا الله إلى استحلافهم في الوقت الذي يشرفونه، ويعظمونه، ويتجنبون فيه الأكاذيب.
وقوله تعالى: {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ} ، الفاء لعطف جملة على جملة، قال أبو علي: وإن شئت جعلت الفاء للجزاء كقول ذي الرُّمة:
وإنسانُ عيني يَحْسِرُ الماءُ مرَّةً ... فيبدو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
تقديره إذا حَسَرَ بدا، وكذلك إذا حبستموهما أقسما.
وقوله تعالى: {إِنِ ارْتَبْتُمْ} ، أي في قول الآخَرين الّذَين ليسا من أهل من ملتكم، وغلب على ظنكم خيانتهما.
قال أبو بكر: والشرط متعلق بـ (تحبسونهما) ، كأنه قال: إن ارتبتم وقدرتم أن الرجلين الذين أوصى إليهما كذبا وخانا حبستموهما بعد صلاة العصر.
وقوله تعالى: {لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا} ، قال أبو علي: (لا نشتري) جواب ما يقتضيه قوله: (فيقسمان بالله) لأن أقسمُ ونحوه يتلقى بما يتلقى به الأيمان.
وقال صاحب النظم: تأويله فيقسمان بالله ويقولان هذا القول في أيمانهما. والعرب تضمر القول كثيراً كقوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ} [الرعد:23 - 24] ، أي: يقولون: سلام.