والثاني: أن الوصية مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف؛ لأنه لو عمل فيما قبله لجاز تقديره في ذلك الموضع، وإذا قُدر ذلك لزم تقديم المضاف إليه على المضاف، بيان هذا: أنك لو قدرت أن يكون (إذا) متعلقًا بالوصية جعلت التقدير: الوصية إذا حضر أحدكم الموت، فيحتاج أن تقدم الوصية على ما أضيف إليه وهو حين، ومن ثَمّ لم يجز أن تقول: القتال زيدًا حين تأتي، على معنى أن يكون (زيدًا) منصوبًا بتأتي، لأنه مضاف إليه، فلا يعمل فيما قبل المضاف وهو حين. هذا معنى كلام أبي علي الفارسي، وقد أديت المعنى وشرحت بعض ألفاظه.
وقال في قوله: {حِينَ الْوَصِيَّةِ} : لا يجوز أن يتعلق حين بالشهادة، لأن الشهادة قد عمل في ظرف من الزمان، فلا يعمل في ظرف آخر منه، وكان تحمله على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أن تعلقه بالموت، كأنه: الموت في ذلك الحين، والآخر: أن تحمله على حضر، أي: إذا حضر في هذا الحين، ويراد بالموت: حضوره في الوجهين قربه لا نزوله، كقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18] ولا يسند إليه القول بعد الموت، الوجه الثالث: أن تحمله على البدل من (إذا) لأن ذلك الزمان في المعنى هو ذلك الزمان، فتبدله منه كما تبدل الشيء من الشيء إذا كان إياه.
وقوله تعالى: {اثْنَانِ} ، ذكرنا أنه خبر المبتدأ.
وقوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} ، جملة مرتفعة لأنها صفة لقوله: {اثْنَانِ} .
وقوله تعالى: {مِنْكُمْ} ، قال ابن عباس وعامة أهل التفسير: منكم يا معشر المؤمنين، أي من أهل دينكم وملتكم.
وقوله تعالى: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} ، تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم، أي: من غير أهل ملتكم في قول ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح وإبراهيم وعَبِيدة وابن سيرين ومجاهد وابن زيد.