أحدها: وهو الذي عليه أكثر الناس أن الآية لا تدل على ذلك، دل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذًا بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمعقول بالآيات في ذلك، وخطب أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فقال: إنكم تقرؤون هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} وتضعونها غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب".
الوجه الثاني في تأويل الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا: قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} يكون هذا في آخر الزمان، قال ابن مسعود وقرئت عليه هذه الآية: ليس هذا بزمانها ما دامت قلوبكم واحدة، ولم تُلبَسوا شِيَعًا, ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شِيعًا، فامرؤٌ ونفسُه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية قال: ومن الآيات آيٌ وقع تأويلهن في آخر الزمان.
وروي عن ابن عمر أنه قال:"هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم"، ويؤكد هذا الوجه: ما روي أن أبا ثعلبة الخشني سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم.
الوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك، فقال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله تعالى خاطب بها المؤمنين جميعًا، وأغراهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} يعني: عليكم أهل دينكم {لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ} من الكفار، وهذا كقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] يعني: